مانديلا وعرفات...

رحل الليلة الماضية نيلسون مانديلا الزعيم الأفريقي الحقيقي والذي رفض الخضوع والتنازل...

رحل مانديلا صديق فلسطين ورمز الحرية والنضال العالمي...

مانديلا الذي قال لعرفات بعد أوسلو: عرضوا عليّ الكثير من أمثال هذه الحلول ورفضت!

قبل وفاة عرفات بأكثر من شهر بقليل وصفه بعض أتباعه بأنه مانديلا فلسطين وطلبوا منه الاقتداء بالرمز الأفريقي...

أي أن يترك المناصب ويبقى زعيماً شرفياً...

عرضوا ذلك جهلاً بطبيعة عرفات ودوره...

يومها وفي شهر أكتوبر/تشرين الأول من العام 2004 كتبت معلقاً...

واليوم أعيد نشر ما كتبت بعد أن تذكرته ليلة الأمس وأنا استمع لخبر رحيل الرمز الحقيقي مقارنة بالرمز الزائف...

شتان شتان شتان!

وهذا ما كتبت:

لست كمانديلا ... ولو بعد حين!

د. إبراهيم حمامي

في حوار وصف بالشامل مع صحيفة الشرق الأوسط ونشر يوم 05/10/2004، وفي محضر إجابته على سؤال حول إستعداده للتنحي أجاب عرفات و بعبارات قصيرة وخطيرة على السؤال وبشكل حدّد معالم خطته المستقبلية الرئاسية حيث قال ردا على السؤال وبالحرف الواحد:

"ترددت كثيرا في الآونة الاخيرة، الدعوات لابو عمار لان يكون نيلسون مانديلا فلسطين، بعبارة اخرى «الاستقالة من جميع مناصبه» والاكتفاء بمنصب شرفي. "عرفات":ـ انا مستعد لان اكون نيلسون مانديلا. انا موافق لكن بعد قيام دولة فلسطينية اتولى رئاستها في البداية ثم اتركها بعد ذلك للاخرين."

هذه الإجابة حملت في طيّاتها برنامجا خطيرا يجهض كل محاولات الإصلاح المزعوم ويحسم نتائج أية إنتخابات مستقبلية وبشكل علني غير مسبوق لا يعترف بالآخر ويلخص موقف "الرمز" من كل ما يجري، فقد قرر عرفات:

أنه سيبقى رئيسا ولفترة غير محددة، علما أن ولايته - إن إعتبرناها شرعية- قد إنتهت من سنوات.

أنه سيفوز في الإنتخابات القادمة - إن جرت- بغض النظر عن وجود مرشحين آخرين أو عن كيفية التصويت أو إختيار الشعب، حتى لو أدى ذلك "تغيير ما يلزم".

أنه سيكون هو من سيعلن الدولة - للمرة الثالثة- ليتولى رئاستها الأولى ومرة أخرى بغض النظر عن وجود منافسين أو عن أهليته القانونية.

أن حالة "الأنا" و"العظمة" لديه قد تفاقمت ووصلت لمستويات خطيرة أصبح لا يرى معها أحدا غير نفسه ولا يفكر بيوم رحيله!

حالته تلك منعته حتى من مجرد التفكير أن الشعب الفلسطيني يعد 10 ملايين نسمة وأنه لن تدوم له الدنيا وأنه سيأتي يوم يتولى غيره زمام الأمور فأجاب بإستهزاء واضح وعندما سئل عن الشخص الذي يمكن ان يتولى القيادة من بعده فقال نبيل ابوردينة.

قمة التعالي على الشعب كانت في عبارته الأخيرة "للآخرين" فهو مقابل الجميع ولا يهم من سيكون بعده، إن كان يؤمن أنه سيكون من بعده أحد.

ملخص القول يقول عرفات وبشكل تصريحي أنه باق مدى الحياة، وبطريقته المعهودة: شاء من شاء وأبى من أبى.

لم يقتصر الأمر عند ذلك بل تعداه لقبول "الرمز" تشبيهه بالمناضل الأفريقي نيلسون مانديلا، ولكن هل يمكن أن يصبح عرفات يوما كنيلسون مانديلا؟ لنرى وبنظرة سريعة أين يقف الرجلان:

رفض نيلسون مانديلا وعلى مدار أكثر من ربع قرن أن يعطي سجانيه 3 كلمات هي: I denounce violence أي "أنا أنبذ العنف" (حيث لم تكن كلمة الإرهاب هي السائدة في حينه)، وبسبب هذا الرفض خسر أجمل سني عمره ولم يتزحزح عن موقفه – في المقابل وبعد شهرين فقط من حصار عرفات "الموديرن" في رام الله وفي صيف عام 2002 أعلن عرفات أنه يقبل خطة كلينتون والتي سبق وأن رفضها وقام بإبعاد المحاصرين في كنيسة المهد في صفقة تسمح له بالتحرك.

نيلسون مانديلا رفض أن يدين حزب المؤتمر الوطني الأفريقي بل كرّم جناحه العسكري بعد أن أصبح رئيسا – في المقابل لايترك عرفات فرصة إلا ويكون السباق لإدانة المقاومة والتفاخر بالوقوف في وجهها (تصريحاته يوم 18/06/2004).

رفض مانديلا وطوال سنوات سجنه اللقاء مع سجانيه وقاتلي أبناء شعبه – بينما عرفات يمد يده لهم (لقاؤه مع القناة العاشرة العبرية يوم 30/05/2004) بل ويصف بعضهم بأجمل الصفات كالشجاعة والشراكة وحب السلام كما هو الحال مع رابين.

تولى نيلسون مانديلا الرئاسة عام 1994 بعد خروجه من سجنه منتصرا ومحافظا على مبادئه وتولاها عرفات، عام 1994 أيضا، بعد تنازله عن المباديء وتغيير الميثاق والتفريط في الأرض وغيرها ليدخل إلى سجنه في رام الله مهزوما.

تخلى مانديلا عن الرئاسة بمحض إرادته وسط مطالب الجميع له بالبقاء ويتمسك بها عرفات بعد إنتهاء مدته رغم المطالب بتنحيه!

قضى نيلسون مانديلا حياته معدما وخرج من الرئاسة كما دخلها – بينما يرتع الرمز بأموال الشعب وثرواته ليصرفها كيف ومتى شاء ولتنتفخ حساباته الشخصية.

لم يتردد مانديلا في تطليق زوجته ويني عام 1996 بعد أن تناهى إليه أنها إستخدمت وسائل غير مشروعة ضد مناهضيها وهي التي قضت 38 عاما إلى جواره منها ربع قرن وهو سجين، في المقابل تتخلى زوجة عرفات عنه في أحلك الظروف وأشدها فيبادرها بإرسال الملايين لتصرف منها في باريس ويقوم هو بتعقب وإعتقال وتعذيب بل تصفية معارضيه!

رغم كل الضغوط التي تعرض لها نيلسون مانديلا رفض أن يدير ظهره لمن وقف إلى جانب نضال شعبه فزار كوبا وليبيا رغم معارضة الغرب الشديدة ووصف نضال الشعب الفلسطيني بالتاريخي وزار عرفات شخصيا، لكن عرفات عودنا أن يدير ظهره حسب مصلحته لمن أيده وناصره وهو ما عاد بالويلات على أبناء شعبنا في أماكن تواجدهم إنتقاما لكوارث سياساته.

لم يكن موضوع الرئاسة أو مانديلا الشطحة الوحيدة في لقاء عرفات المذكور فقد إحتوى على مغالطات أخرى وتكرار لعبارات مللناها وغيرها من الأمور الأخرى.

بعد كل ذلك هل يمكن أن يصبح عرفات مانديلا فلسطين؟؟ لا وألف لا وعفوا سيادة "الرمز" لم ولن تكون يوما كنيلسون مانديلا، ليس الآن ولا بعد قيام الدولة ولا بعد ألف عام، لأنك وببساطة لم تعد تملك مقومات ذلك ولأنك فقدت كل شيء.

الدولة والرئاسة وغيرها لست أنت من يقررها ويهزأ بها ولا أنت من يحددها ولكن أبناء الشعب المقاوم المناضل الصامد المرابط.

 

ألإشتراك بالنشرة البريدية

كي تصلك المقالات وجميع المنشورات أولاً بأول قم بإضافة إسمك وبريدك الالكتروني بالحقول أدناه.

اخر المقالات

لماذا مؤتمر فلسطينيي أوروبا؟ لماذا مؤتمر فلسطينيي أوروبا؟ د. إبراهيم حمّامي 23/04/2019 ينعقد مؤتمر فلسطينيي أوروبا في نسخته السابعة عشر...
إحصاءات سريعة حول الانتخابات البلدية... إحصاءات سريعة حول الانتخابات البلدية التركية د. إبراهيم حمّامي 31/03/2019 شهدت تركيا منافسة وغير مسبوقة هي الأقوى والأهم بالنسبة...
صاروخ غزة، للجميع مصلحة صاروخ غزة، للجميع مصلحة د. إبراهيم حمّامي 25/03/2019 للمرة الثانية خلال 10 أيام يُطلق صاروخ من غزة نحو تل...
صواريخ تل أبيب صواريخ تل أبيب د. إبراهيم حمّامي 14/03/2019 دون سابق انذار ودون أي مواجهة أعلن الاحتلال عن ا...
المسكوت عنه في قصة المختطفين الأ المسكوت عنه في قصة المختطفين الأربعة د. إبراهيم حمّامي 01/03/2019 لا شك أن العرس الجماهيري الكبير الذي شهده قطاع غزة...
دروس الافراج عن شباب غزة دروس الافراج عن شباب غزة د. إبراهيم حمّامي 28/02/2019   سجلت حركة حماس اليوم انتصاراً جديداً في التعامل...
غزة تنتصر من جديد غزة تنتصر من جديد د. إبراهيم حمّامي 13/11/2018 هذه الجولة من المواجهات كانت الأوضح والأقل لبساً...
أسئلة للعلماء والفقهاء والمشايخ... أسئلة  للعلماء والفقهاء والمشايخ والدعاة د. إبراهيم حمّامي 20/09/2018   السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعد سلسلة ...