لماذا وماذا يعني اعلان حفتر الأخير؟

د. إبراهيم حمّامي

28/04/2020

أعلن حفتر بالأمس الغاء اتفاق الصخيرات من طرفه وتنصيب نفسه ديكتاتوراً جديداً على ليبيا دون أي مسوغ أو إفراز شرعي من أي نوع إلا ما اسماه التفويض (على طريقة السيسي)

ولفهم هذه الخطوة التي اتخذها حفتر سأتناول شرح الأوضاع في ليبيا التي أوصلته لهذه الخطوة اليائسة:

عسكرياً:

  • أعلن حفتر في 04/04/2019 بدء "معركة طرابلس" بعد أن استمال قوى كانت محسوبة على ثورة فبراير - الإخوة الكاني قادة مليشيات اللواء السابع في مدينة ترهونة (90 جنوب شرق طرابلس) يُسمى باللواء السابع في مدينة ترهونة – تغير اسمه بعدها للواء التاسع – وهو عبارة عن ميليشيات يقودها مجموعة من أبناء الكاني ولهذا اصطلح على تسميتها بميليشيا "الكانيات"، وعادل دعاب، قائد مليشيا شهداء غريان (100 كلم جنوب طرابلس)، وتسرب أنصاره لمدينتي صبراتة وصرمان (70 و60 كلم على التوالي) تحت شعار مكافحة الاتجار بالبشر
  •  هذه الميليشيا وبالإضافة لسيطرتها على مدينة ترهونة كانت تسيطر على منطقة قصر بن غشير المتاخمة للعاصمة طرابلس جنوباً وهو ما أوصل حفتر إلى هناك في عملية غدر من "الكانيات"
  •  في 26 يونيو/حزيران 2019 كانت أول ضربة لعدوان حفتر باستعادة مدينة غريان من سيطرته في عملية استغرقت ساعتين وهو ما كشف هشاشة وضعه العسكري
  •  حاول حفتر وميليشياته اقتحام طرابلس أكثر من مرة وأعلن ساعة الصفر 7 مرات على الأقل لكنه فشل فشلاً ذريعاً في التقدم رغم مرور عام كامل على بدء عدوانه
  •  في 27 من شهر نوفمبر 2019 وقعت حكومة الوفاق المعترف بها دولياً "اتفاق تعاون عسكري وأمني" مع تركيا تعهدت بموجبه الأخيرة بدعم ومساندة الحكومة الليبية
  •  في 26 مارس 2020 أعلنت الحكومة الليبية إطلاق عملية عاصفة السلام لمواجهة عدوان حفتر وانتقلت من مرجلة الدفاع للهجوم
  •  في 13 أبريل الماضي وبعد وصول الدعم التركي وتحييد سلاح الطيران الذي ضمن تفوقاً لحفتر طوال العام الماضي واستغله في قصف المناطق المدنية للضغط على حكومة الوفاق، استطاعت القوات المسلحة الليبية التابعة لحكومة الوفاق من تحرير 7 مدن في الغرب الليبي في عملية خاطفة استغرقت بضع ساعات فقط
  •  هذه العملية ضمنت سيطرة الحكومة الليبية على الغرب الليبي من غرب سرت وحتى الحدود التونسية باستثناء قاعدة الوطية المحاصرة – والتي لم يتم اقتحامها لحسابات قبلية سنأتي عليها في الجانب السياسي - ومدينة ترهونة معقل ميليشيات حفتر والموالين لهم في الغرب الليبي
  •  بدأت عملية تحرير ترهونة – المعقل الأخير لحفتر في الغرب الليبي - في 18 ابريل 2020 وهوجمت من عدة محاور وأصبحت محاصرة – صحيح أنها لم تحرر في يوم واحد وذلك في محاولة لحماية المدنيين وتقليل الخسائر، إلا أنها باتت مطوقة خاصة مع رصد الطيران المسير لأي قوافل دعم وقصفها مما يضع مدينة ترهونة تحت ضغط سياسي وعسكري متواصل سيفضي بلا شك إلى تحريرها ضمن الاستراتيجية الموضوعة
  •  عسكرياً فقد حفتر سيطرته بالكامل على الغرب الليبي وبشكل كبير على الجنوب الذي تسيطر عليه فعلياً قبائل الطوارق والتبو هو ما يعني انهيار مشروعه للسيطرة على ليبيا وتنصيب نفسه حاكماً عليها بقوة السلاح
  •  حكومة الوفاق تصر أن هدف ليس فقط تحرير الغرب الليبي بل تحرير كامل البلاد من أطماع حفتر وداعميه، يساندها في ذلك دعم تركي قوي وعلني ضمن اتفاق رسمي معلن

سياسياً:

  • من الناحية الرسمية تعترف دول العالم بحكومة الوفاق الوطني حكومة شرعية وحيدة معترف بها، لكن الدول الداعمة لحفتر رغم اعترافها بحكومة الوفاق استمرت بدعمه مادياً وعسكريا وسياسياً أيضاً
  •  فايز السراج الذي يترأس المجلس الرئاسي في ليبيا حاول – وما زال – أن يدير الأمر دبلوماسياً وسياسياً، ويتهمه كثيرون بالضعف السياسي أمام التهديدات التي تواجه البلاد، وعدم اتخاذ خطوات بمستوى حجم العدوان من دول بعينها مثل مصر والامارات والإبقاء على العلاقات معها وعدم مقاضاتها دولياً
  •  استمد حفتر جزء من شرعية مدعاة من خلال عدد من نواب المجلس النيابي الليبي اتخذوا من مدينة طبرق مقراً لهم وأعلنوا دعمهم له، بل أن رئيس المجلس عقيلة صالح هو من عين حفتر في مناصبه الوهمية وقام بترقيته
  •  لكن حفتر الذي حظي بعد إطلاقه عملية "الكرامة" في 2014، بدعم غالبية أعضاء مجلس النواب، المقدر عددهم ب ـ188 نائبا، رغم مقاطعة نحو 25 منهم لاجتماعاته في طبرق، خسر دعم معظمهم، بعد أن وقّع 100 نائب في 11 أبريل/ نيسان 2019، على بيان مشترك أعلنوا فيه استنكارهم لهجوم حفتر في الرابع من نفس الشهر، على طرابلس.
  •  اعتمد حفتر على سياسة تكميم الأفواه لكل من يعارضه، حتى وإن كان من داعميه، وما اختطاف النائبة سهام سيرقيوة من قبل ميليشيات مرتبطة بأحد أبناء حفتر منذ 17 يوليو/تموز 2019 لمعارضتها العدوان على طرابلس إلا مثال لما قد يذهب إليه لإخفاء معارضيه سياسياً
  •  شارك حفتر كأحد أطراف النزاع في ليبيا في عدة لقاءات ومؤتمرات لحل الأزمة الليبية، لكنه سرعان ما كان ينقلب على نتائجها، تماماً كما انقلب طوال حياته على كل تحالفاته
  •  لم يكن إعلان حفتر الأخير التنصل من اتفاق الصخيرات ومفرزاته الأول من نوعه، فكما سبق وأعلن عن عدة ساعات صفر لاقتحام طرابلس، سبق وأن أعلن عدة مرات رفضه لاتفاق الصخيرات واعتباره لاغياً، وهذا ما حدث على سبيل المثال بإعلان حفتر في كلمة مسجلة بثتها محطة تلفزيون ليبية "إن مطلع اليوم 17 ديسمبر/كانون الأول (2017) الحالي هو تاريخ انتهاء الاتفاق السياسي، وانتهاء أي جسم انبثق عنه ورغم كل الشعارات البراقة من الحوارات السياسية من غدامس مرورا بجنيف والصخيرات انتهاء بتونس، انتهت كلها حبراً على ورق".
  •  مع إطلاق حكومة الوفاق عملية عاصفة السلام أعلنت أن حفتر لم يعد طرفاً في أي عملية سياسية رافضة أي لقاء أو حوار معه، وهو إضافة للهزائم العسكرية المتتالية ما أخرجه من "اللعبة" إن جاز التعبير
  •  لم يكن أمام حفتر من خيار إلا الهروب للأمام واستنساخ تجربة السيسي البائسة بطلب تفويض لتنصيب نفسه حاكماً على ليبيا، وتمهيداً لتقسيمها إن فشل في ذلك
  •  لم تستجب أي مدينة ليبية لطلبه بالتفويض – إلا المناطق التي تحت سيطرته ويحكمها بالقوة وبشكل خجول جداً
  •  في إعلان مفاجئ بعد طلبه التفويض أعلن مشايخ وأعيان مدينة الزنتان دعمهم لحكومة الوفاق – ومدينة الزنتان كانت منقسمة بين الطرفين، وهو ما أخّر عملية تحرير قاعدة الوطية لوجود مجموعة من أبناء الزنتان فيها ولحسابات قبلية محلية، لكن هذه المجموعة انسحبت قبل أيام مما ساعد على إعلان الولاء لحكومة الوفاق
  •  في 25 أبريل 2020 انسحب النائب عن مدينة الزنتان عبد السلام نصية من برلمان طبرق والتحق بإخوانه في البرلمان الليبي
  •  حذت مدينة الرجبان حذو الزنتان وهو ما يعني سياسياً فقدان الغطاء السياسي الذي كان يعوّل عليه حفتر وبشكل تام في غرب ليبيا
  •  قبائل التبو بدورها والمسيطرة على الجنوب الليبي ومركزه مدينة سبها، أعلنت هي الأخرى الولاء لحكومة الوفاق
  •  انكشفت مطامع حفتر الشخصية بعد طلبه التفويض وهو ما أثار الريبة لدى داعمه الأساسي رئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح الذي حاول قطع الطريق على حفتر عبر إعلان مبادرة للحل السياسي، بل أن مصادر تحدثت أن عقيلة صالح أبلغ رؤساء لجان البرلمان بأنه لا حل عسكري وعليهم دعم مبادرته السياسية وحرّض رؤساء تلك اللجان على عدم الانصياع لتهديدات أعوان حفتر ملوحاً بدعم دولي لمبادرته
  •  بإعلان حفتر تنصيب نفسه ديكتاتوراً على ليبيا يكون قد أسقط شرعية البرلمان – الجهة السياسة الوحيدة التي كان يعول عليها لادعاء شرعيته
  •  هكذا يكون حفتر قد فقد أي غطاء ساسي من أي نوع ليبياً، وأصبح اعتماده بالكامل على الدول الداعمة له خاصة مصر والامارات، والتي من الصعب أن تعلن موقفاً مؤيداً لخطوته بشكل علني لما فيها من خرق للاتفاقات الدولية

ماذا يعني كل ذلك؟

نتيجة لما سبق يمكن تلخيص الوضع بالتالي:

  1. لن يغير إعلان حفتر من الواقع شيئاً فهو الآمر الناهي في مناطق سيطرته ولا يمكن لأحد معارضته
  2. إعلانه تنصيب نفسه لا يتجاوز البيان الذي ألقاه فهو إعلان صوتي استعراضي لا يغير من موازين القوى على الأرض، لكنه محاولة من حفتر لتثبيت نفسه كطرف في الأزمة الليبية، بعد سلسلة الهزائم العسكرية والسياسية وانهيار مشروعه في السيطرة على البلاد
  3. بإعلانه أسقط حفتر شبه الشرعية التي كان يتشدق بها بإنهاء برلمان طبرق، ليكون بلا أي سند شرعي أو دستوري من أي نوع
  4. بل لا نبالغ إن قلنا أن إعلانه هو بمثابة إطلاق الرصاص على نفسه، فقد بكشف كل أوراقه ومطامعه، وأحرج مؤيديه وداعميه، وحشر محركيه في الزاوية، لأنهم كانوا يتسترون بمحاربة الإرهاب والميليشيات والاتجار بالبشر وبناء الجيش، فقزّم حفتر كل ذلك ونسف كل الادعاءات وأصبح هدفه الوحيد الكرسي، رغم أنه في أرذل العمر
  5. تاريخ حفتر مليء بالهزائم والانقلابات، فقد انقلب على الملك السنوسي عام 1969، ثم على رفيقه القذافي، وبعدها على حكومة زيدان، وتمردا على حكومة الوفاق ثم انقلاباً عليها، ولم يسجل في حياته انتصاراً واحداً، وهذه المرة لن تختلف عن سابقاتها
  6. أصبح من الصعب على مؤيديه المجاهرة بدعمه بعد تنفيذه انقلابا سياسياً حتى ولو على الورق
  7. مواقف عدة بدأت تتبلور حتى من الشخصيات التي كانت مؤيدة لحفتر بعد أن أصبح من الواضح أن هدفه هو السلطة، وعليها الوضوح في مواقفها لجهة حماية وحدة البلاد
  8. الدول النافذة رفضت انقلابه وتنصيبه لنفسه ديكتاتوراً وكانت أبرز المواقف هي التي صدرت عن الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي
  9. الجامعة العربية المسيطر عليها من قبل محور الشر لم تصدر أي بيان أو موقف حتى اللحظة
  10. ميدانياً وعسكرياً انتهت مغامرة حفتر الفاشلة في الغرب الليبي ولم تتبق إلا مدينة ترهونة وقاعدة الوطية، والمسألة مسألة وقت قبل حسم أمرهما بأقل الخسائر
  11. لن تتوقف القوات المسلحة الليبية التابعة لحكومة الوفاق وربما يكون هدفها التالي مدينة سرت والمنشآت النفطية، أما الجنوب الليبي فهو خارج سيطرته الفعلية
  12. الدعم التركي العلني يتطور كماً وكيفاً لصالح حكومة الوفاق الليبية وهو ما سيزيد من الضغط العسكري على حفتر وداعميه
  13. هناك إصرار ليبي على ملاحقة حفتر حتى مقره في الرجمة شرق ليبيا وتوحيد البلاد
  14. حكومة الوفاق عليها التحرك سياسياً وبكل قوة لعزل حفتر وإخراجه نهائياً من أي حل سياسي ممكن بعد أن كشف عن أطماعه
  15. كما أن عليها اتخاذ مواقف صارمة وواضحة بقطع العلاقات مع أي طرف يعترف بحفتر أو يتعامل معه، وكذلك اللجوء للمحاكم الدولية لمقاضاة كل من يخرق القرارات الدولية سياسياً أو عسكرياً، وهو أمر تأخرت فيه كثيراً
  16. الأطراف التي أيدت حفتر
  17. المجتمع الدولي سبق وأن فرض عقوبات على معارضي اتفاق الصخيرات ومنهم رئيس الحكومة التي سبقت حكومة الوفاق خليفة الغويل على سبيل المثال، تطبيقاً لقرار مجلس الأمن رقم 2259 الذي دعا الأطراف الدولية للتعامل فقط مع حكومة الوفاق الليبية ووقف أي تعامل مع كيانات موازية ووقف الدعم والاتصال الرسمي مع المؤسسات الموازية، وهو مطالب بفعل ذات الشيء مع حفتر
  18. داعمو حفتر في وضع اقتصادي ربما لا يسمح لهم بالاستمرار بتغطية تكاليف عدوانه، ولهذا قد يلجأ داعموه للسيناريو اليمني بتقسيم ليبيا، وهو الأمر الذي يدفع به السيسي طمعاً في نفط شرق ليبيا
  19. أي محاولة للتقسيم ستزيد من إصرار الليبيين على إسقاط مشروع محور الشر، وستنهي أي محاولة لإيجاد حل سياسي
  20. لن يقبل الشعب الليبي الذي ثار ضد ديكتاتور حكم بالحديد والنار ودفع ثمن حريته من دماء شبابه، لن يقبل هذا الشعب صورة مصغرة ومقزمة للقذافي تسومه العذاب، وله فيما يجري في شرق ليبيا من قمع واضطهاد خير دليل

معركة ليبيا لا تخص الليبيين وحدهم بل هي معركة بين إرادة الشعوب وتطلعها للحرية ومحور يحاول جاهداً إفشال الشعوب ووأد تطلعاتها...

انهيار مشروع محور الشر في ليبيا سيكون بداية النهاية لمشروعهم التخريبي في المنطقة...

لهذا يقف كل أحرار العالم مع الليبيين ويتابعون أخبار انتصاراتهم ويلهجون بالدعاء لنصرتهم...

اللهم عليك بكل من أراد بأمتنا شراً...

اللهم رد كيدهم إلى نحورهم...

آمين

ألإشتراك بالنشرة البريدية

كي تصلك المقالات وجميع المنشورات أولاً بأول قم بإضافة إسمك وبريدك الالكتروني بالحقول أدناه.

اخر المقالات

انفجار بيروت، من المجرم؟ انفجار بيروت، من المجرم؟ د. إبراهيم حمّامي 05/08/2020 انفجار بيروت كان هائلاً مدمراً بشكل غير مسبوق وترك...
الخطاب الغوغائي المضلل، وزير خارجية... الخطاب الغوغائي المضلل، وزير خارجية السيسي مثالاً د. إبراهيم حمّامي 09/07/2020 في كلمته أمام مجلس الأمن ليلة أمس ساق وزير خارجية...
الخطاب الغوغائي المضلل، اللبواني... الخطاب الغوغائي المضلل، اللبواني مثالاً د. إبراهيم حمّامي 08/07/2020 للمرة الثانية هذا العام شاركت ليلة أمس في حلقة الاتجاه...
لماذا وماذا يعني اعلان حفتر الأخ لماذا وماذا يعني اعلان حفتر الأخير؟ د. إبراهيم حمّامي 28/04/2020 أعلن حفتر بالأمس الغاء اتفاق الصخيرات من طرفه وتنصيب...
سلطة رام الله وصفقة القرن سلطة رام الله وصفقة القرن د. إبراهيم حمَامي 27/01/2020 سنحسن الظن ولو نظرياً ونقبل بأن السلطة في رام الله...
10 ملاحظات على مؤتمر برلين عن ليبي 10 ملاحظات على مؤتمر برلين عن ليبيا د. إبراهيم حمّامي 18/01/2020 ينعقد يوم غد مؤتمر برلين حول ليبيا بحضور ربما هو ...
عن بيان النائب العام السعودي في قضية... عن بيان النائب العام السعودي في قضية اغتيال جمال خاشقجي د. إبراهيم حمّامي 23/12/2019 النائب العام السعودي اليوم محاولة بائسة تماماً ...
المراجعة المطلوبة فوراً المراجعة المطلوبة فوراً د. إبراهيم حمّامي 14/11/2019 بتجرد مطلق وبتحليل لما جرى ودون مواربات وبعيداً عن...