كيف أصبحت سايكس بيكو أمل الأمة؟

د. إبراهيم حمّامي

20/02/2016

لا أعرف عربياً واحداً مهما كانت أفكاره أو توجهاته إلا ويلعن سايكس بيكو والحدود المصطنعة  والتقسيم الاستعماري وتفرقة العرب أقطاراً متناحرة مع باقة من عبارات التنديد والاستنكار لما حصل في بدايات القرن الماضي...

لكن وبعد مائة عام أصبح أمل العرب الابقاء على سايكس بيكو...

أي على الحدود التي رسمتها اتفاقية سايكس بيكو...

هذا وبكل أسف حالنا ووضعنا اليوم...

أملنا اليوم بات الحفاظ على:

  • وحدة الأراضي العراقية
  • وحدة الأراضي السورية
  • وحدة الأراضي اليمنية
  • وحدة الأراضي الليبية

هذه الوحدة المقصودة هي حدود تلك الدول طبقاً لاتفاقية سايكس بيكو...

واهم من يظن أن الأمر يقتصر على هذه الأقطار العربية فالمخطط أكبر وأشمل...

قبل انطلاق الربيع العربي وتحديداً في شهر يونيو/تموز 2006 ومن تل أبيب بالذات أطلقت وزيرة الخارجية الأمريكية في حينها كونداليزا رايس عبارة "الشرق الأوسط الجديد" وبشرّت ب"الفوضى الخلاقة"...

لم تكن فكرة خطرت ببالها أو لمعت في ذهنها، كما أنها لم تكن مصادفة...

في ذات الشهر من العام نفسه أعطى الخبير العسكري الاستراتيجي الأمريكي، رالف بيترس الشرق الأوسط الحدود التي يرى أنها عادلة في مقالة بعنوان " الحدود الدموية.. كيف يمكن رؤية الشرق الأوسط بشكل أفضل" نُشرت في العدد السادس من المجلة العسكرية الأمريكية (Armed Forces Journal) تضمنت خريطة جديدة للمنطقة مفصلة على أساس عرقي ومذهبي...

 

وعلى الرغم من الادعاء بأن تلك الخريطة (أعلاه) لا تعكس وجهة نظر وزارة الدفاع الأمريكية، إلا أنها تُدرّس الآن في منهج التخطيط الاستراتيجي في كلية ضباط الناتو العليا في روما، بالطبع بعد أن أجازتها الأكاديمية العسكرية الأمريكية التي يعمل بها رالف بيتيرس بعد تقاعده من عمله في مكتب نائب رئيس هيئة الأركان لشؤون الاستخبارات في وزارة الدفاع!

بعدها بعام وفي شهر أيلول/سبتمبر 2007 وفي إطار تفعيل "الشرق الأوسط الجديد" بادر مجلس الشيوخ إلى إصدار قرار غير ملزم، دفع به وعمل على إنجاحه جو بايدن نائب الرئيس أوباما حاليا، يطالب الإدارة الأمريكية بتقسيم العراق إلى ثلاث مناطق اتحادية شيعية وسنية وكردية.

لكن الخارطة أعلاه لم تعد كافية مع انطلاق قطار الثورات العربية في العام 2011 التي خلطت الأوراق، وبدأ فصل جديد من التآمر عليها، وفصل آخر من خرائط التقسيم والتمزيق...

وفي منتصف شهر كانون الأول/ديسمبر من العام 2013، نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» وثيقة سياسية ادَّعت أنها جمعت معلوماتها من خبراء ومؤرخين ومختصّين في شؤون الشرق الأوسط. وكان من الطبيعي أن تثير تلك الوثيقة اهتمام زعماء المنطقة، خصوصاً أنها تحدثت عن «الربيع العربي» كمدخل لتفكيك الشرق الأوسط إلى دويلات إثنية وطائفية وعشائرية.

وقالت الصحيفة إن بلوغ هذه الغاية سيتم عبر سلسلة نزاعات محلية وإقليمية يؤدي عنفها، في النهاية، إلى التخلص من حدود سنة 1916، أي الحدود التي رسمها الديبلوماسي الفرنسي فرانسوا جورج بيكو ونظيره البريطاني مارك سايكس. لهذا، حملت تلك الاتفاقية اسمَيهما كشهادة على سيناريو خضع لرغبة المنتصر في الحرب العالمية الأولى، لا لرغبة سكان البلدان التي رسما حدودها المقتطعة من الإمبراطورية العثمانية المهزومة.

وقد قسمت خريطة ال"نيويورك تايمز" 5 دولة عربية إلى 14 دويلة جديدة لكن الحديث كان عن 18 دولة عربية مرشحة للتقسيم، فماذا تبقى؟

 

أما اليوم فالحديث بلغ حداً غير مسبوق من التقسيم حتى بات من الصعب معرفة عدد الدويلات المطلوبة...

سوريا وحدها يراد لها أن تصبح 5 دول على الأقل – إن لم يكن أكثر...

 

فقط تابعوا التصريحات الأخيرة الصادرة من أمريكا وروسيا – وفي نفس اليوم!

  • السفيرالروسي في الامم المتحدة ينتقد تهديد بشار الاسد باستعادة السيطرة على كامل سوريا، نعم هكذا!
  • جون كيري يهدد بمسح المعارضة السورية عن وجه الأرض إن لم تقبل التفاوض مع النظام

كذلك الأمر بالنسبة لليبيا:

 

قد يقول قائل إن الأمر يتعلق فقط بالدول التي شهدت ثورات على الأنظمة وأن باقي الدول في مأمن...

فقط راجعوا الخرائط لتجدوا أن أول المستهدفين هة السعودية، حليف الولايات المتحدة في المنطقة...

وكذلك مصر التي نشر اقباط المهجر المصريون في العام 2012 خارطة قالوا أنها تستهدف تقسيم مصر (والسودان)...

 

وحتى السودان يراد له أكثر من ذلك!

وبما أن القاصي والداني يدلي بدوله في خرائط التقسيم والتمزيق وكأن الأمر واقع لا محالة والمشكلة فقط في العدد والحدود، فقد نُشرت العام الماضي خريطة أوسع تشمل العالم الاسلامي ونُسبت لبرنارد لويس على الشكل التالي:

 

ما يهمنا هنا هو:

  • الحديث عن التقسيم تجاوز مرحلة التنظير ودخل مرحلة الاعداد للتنفيذ
  • من يتحدث عن الأمر يتحدث عنه وكأنه حتمي والمسألة مسألة وقت
  • جميع المخططات التي نشرت هي أمريكية الأصل والمنشأ
  • الثورات العربية لا علاقة لها بالموضوع فالحديث بدأ قبلها ويتجاوز أقطارها
  • التقسيم المفترض يشمل الأقطار الحليفة تماماً كما يسمل "الدول المارقة" بحسب التصنيف الأمريكي
  • رغم مرور سنوات على بدء الحديث عن تقسيم العالم العربي لا توجد اي خطوات حقيقية سياسية أو غيرها لاجهاض هذا المخطط

عود على بدء...

ذكرنا في البداية أن أمل الأمة أصبح اليوم الحفاظ على سايكس بيكو بحدودها القائمة...

هل عرفتم لماذا؟

إلى هذا الحد وصلنا أو أوصلونا...

وللأسف بتآمر عربي وأموال عربية يتم تنفيذ المخطط – أو محاولة تنفيذه – تحت حجة أن الثورات العربية هي السبب وأنها مؤامرة...

واهم من يظن أنه في مأمن أو يظن أن ملياراته التي يصرفها دعماً لطاغية هنا أو لتخريب بلد هناك ستحميه...

ما سبق ليس دعوة للتشاؤم أوأوهام أو محض خيال...

وليس ترويجاً لسايكس بيكو أو غيرها...

بل على العكس تماماً...

هو قرع لناقوس الخطر ودعوة للعمل...

تلك أمانيهم...

فما هي أمانينا؟

نختم بقوله تعالى:

}‏وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ‏ {

‏[‏سورة الأنفال‏:‏ آية 30‏]‏‏.‏ 

ألإشتراك بالنشرة البريدية

كي تصلك المقالات وجميع المنشورات أولاً بأول قم بإضافة إسمك وبريدك الالكتروني بالحقول أدناه.

اخر المقالات

غزة تنتصر من جديد غزة تنتصر من جديد د. إبراهيم حمّامي 13/11/2018 هذه الجولة من المواجهات كانت الأوضح والأقل لبساً...
أسئلة للعلماء والفقهاء والمشايخ... أسئلة  للعلماء والفقهاء والمشايخ والدعاة د. إبراهيم حمّامي 20/09/2018   السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعد سلسلة ...
السعودية ومحاولات فرض صفقة القرن السعودية ومحاولات فرض صفقة القرن د. إبراهيم حمّامي 18/09/2018 تتزايد المؤشرات والدلائل والإجراءات والوقائع على...
إنصافاً للثورات العربية إنصافاً للثورات العربية د. إبراهيم حمّامي 02/09/2018   يحاول البعض هذه الأيام التشكيك والطعن في دوافع...
صفقة القرن صفقة القرن صفقة القرن... ما حقيقتها؟ ما هي تفاصيلها؟ من يقف معها ومن يروج لها؟ هل هي...
صفقة القرن صفقة القرن سخونة الحديث عن "صفقة القرن" ارتفعت مؤخراً لتتناولها وسائل إعلام وتصريحات سياسية...
الأيقونة الأيقونة د. إبراهيم حمامي 06/08/2018 المشكلة ليس في شكل عهد التميمي كما يحاول البعض أن يقزم...
سألني فأجبت سألني فأجبت د. إبراهيم حمامي 02/07/2018 سألني أحدهم وبوقاحة: الم يحن الوقت لتعترف بخطأ موقفك...