غزة...أرض العزة - الجزء الثالث: في ربوعها

د. ابراهيم حمامي

21/02/2008

فجر الخميس 31/01/2008 وبعد صلاة الفجر، بدء نهار جديد يكمل رحلتي الأولى، فهذا الفجر الأول في غزة الأبية، بعد أن كان مساء الأمس اليوم الأول واللحظة الأولى والخطوة الأولى، فجر هادىء بعد ليلة عاصفة بالرياح والأمطار، صباح جميل يبشّر بيوم مشمس مشرق، يوم سأتعرف فيه على قطاع غزة لأربط بالبصر ما عرفته بالخبر.

بعد افطار غزيّ شهي، انطلقنا إلى طريق صلاح الدين في اتجاه مدينة غزة، الطريق ليس بحاجة لصيانة بل لاعادة اعمار ورصف كامل، وضعه سيء وبالتأكيد لم تنفق عليه أية أموال لسنوات، ومع ممارسات الاحتلال وجرائمه من هدم وتجريف لكم أن تتخيلوا وضع الشريان الرئيسي الواصل بين جنوب القطاع وشماله. طريق صلاح الدين يبدأ من بوابة صلاح الدين على الحدود المصرية ويمتد بطول القطاع حتى بيت حانون، مخترقاً المدن والمخيمات الرئيسية، ترى أين ذهبت الأموال التي كان من المفترض أن تصرف على تحسين البنية التحتية؟ ألا يستحق قطاع غزة ما يليق به وبتضحياته؟!.

مررنا على ما كان يسمى مجمع غوش قطيف الذي كان يخنق مدينة خان يونس، بعد الخروج من خان يونس مباشرة أشار من معي الى آلات وآليات صناعية مدمرة لمصنع كان للأسمنت، دمرته همجية المحتل دون ذنب إلا للانتقام من عملية جرت بقربه، ما زالت آثاره تشهد على المحتل وجرائمه، ثم مررنا بمحررة كفار داروم، هنا منطقة المطاحن حيث كان حاجز أبو هولي، الحاجز الذي كان يرمز لعربدة المحتل ومحاولات اذلال شعبنا، عليه كانت تقف السيارات لساعات طوال في انتظار أن يمر مغتصب من الشرق للغرب أو بالعكس، اليوم لا وجود للحاجز، لكن تبقى ذكرياته الأليمة.

هذه المغازي على يميننا ودير البلح عن شمالنا، دقائق ونمر بالبريج يمنة والنصيرات يسرة، أسماء نعرفها ونحفظها ونتابع أخبار رجالاتها وبطولاتها، أراها اليوم ماثلة شامخة أمامي، هذه مناطق ومخيمات الصمود والعطاء، في كل حجر فيها قصة، وفي كل ركن رواية، وفي كل زاوية حكاية، لكنها تبدو حزينة، الحركة فيها بسيطة بسبب نقص الوقود، مياه الأمطار تجمعت وتملأ المكان، السيارة عليها أن تناور الحفر وبرك المياه حتى لا تسقط في إحداها، آثار الدمار واضحة، وكذلك آثار الاصرار.

ها هي مدينة غزة تلوح مبانيها في الأفق، المباني المميزة لها، لطالما شاهدتها على شاشات التلفاز، ما أجمل ذلك الشعور وأنا أحدث نفسي، أخيراً في غزة، "يا سلام". اليوم سأسير فيها وأتحدث اليها ولأهلها، اليوم سأستمتع بهوائها وأجوائها ، لحظات وكنا في قلب غزة، هو هكذا قطاع غزة صغير بمساحته، والتنقل فيه سريع سريع، لكنه كبير في قلوبنا وفي عيوننا، لا يمكن أن نحتويه ونحتوي تاريخه المبدع.

مدينة غزة غارقة في الظلام، وعلمت أن غزة أقل حظاً من غيرها بالنسبة لعدد ساعات انقطاع الكهرباء، المحلات إما مقفلة، أو نصف مفتوحة تغشوها الظلمة، لكنها منيرة بأهلها، رغم ذلك الناس يبتسمون، يتحلقون أمام المحال وعلى زوايا الطرق ليتبادلوا الأحاديث. أطفال باعة متجولون يملؤون الطرقات، سلعتهم الرئيسية السجائر، وأهل غزة مغرمون بنوعين من السجائر: مارلبورو وال ام، لا أحب التدخين ولا السجائر لكني استفسرت، الأطفال ينادون بخمسة شيكل بخمسة شيكل، فهل هذا سعر اعتيادي، قال من معي في السيارة كان سعر "الباكيت" 18 شيكل قبل "الفتحة" مع مصر، اذن انخفض سعر العلبة من 18 الى 5 شيكل، ورغم كرهي للسجائر إلا أني اعتبرت ذلك دلالة على تحسن الظروف الاقتصادية وانعكاس سعرها على باقي السلع، وهو ما أكده من تحدثت معهم لاحقاً.

الظاهرة الملفتة أكثر من غيرها، والتي ادهشتني واستوقفتني كثيراً، منذ انطلاقنا من خان يونس وقبلها من رفح وحتى وصولنا إلى مدينة غزة، هي أني لم أشاهد مسلحاً واحداً، لا وجود لحواجز على الطرقات، لا نقاط مراقبة على المفترقات، لا حراسات ولا آليات، ولا أي نوع من المظاهر المسلحة، كنت أتخيل أني سأجد القطاع عموماً، ومدينة غزة خصوصاً ثكنة عسكرية، تخيلتها كالفاكهاني في بيروت غابة من السلاح والحواجز، أو على الأقل هكذا كانت تبدو للمتابع عبر الفضائيات. استذكرت ما تنشره المواقع الصفراء عن الخوف والارهاب والميليشيات المسلحة، تذكرت ادعاءاتهم أن الناس لا تغادر بيوتها خشية على حياتها، أين الميليشيات وأين المسلحين؟ لا أثر لهم في أي مكان، هو الأمن والأمان في كل مكان، لا يستوقفك أو يزعجك أحد، حقيقة وشهادة أسجلها باعجاب.

في شوارع غزة البشر والحجر ينطق ويحكي قصته، كل جدار سُجل عليه تاريخ حافل بالأحداث. ما أجمل أن يكون المرء بين أهله وفي بلده، ما أروع أن يقرأ التاريخ على صفحات الوجوه، وعلى جدران المكان والزمان مباشرة دون وسيط، هنا كذا وهناك كذا، تفاصيل كثيرة يصعب حصرها، قصص يفخر أهل غزة بها، يروونها بتفاصيلها، تعيشها معهم وكأنك عايشتها.

البداية ويا للعجب كانت مع مقر الأمن الوقائي السابق في تل الهوى أو تل الاسلام، لم أختر البداية ولا أعرف لماذا كانت هناك، لكنها لخصت وضع قطاع غزة الجديد، المقر سيء الصيت والسمعة الذي كان مركزاً للاعتقال والتعذيب والتآمر، المقر الذي سقط فيه الضحايا ومنه خرجت فرقة الموت، من منا لا يعرفه؟.اليوم يقف هذا المجمع الضخم بأسواره خاوياً تذروه الرياح بلا حياة. تجرأت وسألت الوحيد الذي يقف عند بوابته "هل يمكننا الدخول؟"، نظر وتردد ثم أجاب "لا أحد ليصحبكم إلى داخله"، "لا عليك هي جولة في الخارج دون دخول المباني"، على مضض سمح لنا بالدخول إلى ساحات الوقائي، لم يعد الدخول مرعباً كما كان لأهل غزة، حسب المثل "الداخل مفقود والخارج مولود"، ساحات فارغة إلا من بقايا أثاث محطم، أبواب ونوافذ بلا أطر، مصير توقعه الجميع للمبنى ومن كان يديره، لكنه مصير أحزنني!.

هذا المنظر المهيب جعلني أتساءل: لماذا لا يتم تحويل هذا المبنى أو المجمع واستغلاله للفائدة العامة، معهد دراسي أو متحف وطني، أي مؤسسة مفيدة تحتاج لمثل هذا المكان الكبير بمبانيه وغرفه الكثيرة؟.بقاء المقر كما هو خسارة لأهل غزة، كما أن مجرد التفكير بعودة الأمور كما كانت أو اعادة المقرات الأمنية كما يطالب حكّام محمية المقاطعة في رام لله جريمة لا تغتفر، ولا يجب أن تقبل بذلك الحكومة في غزة، اياكم والعودة للوراء ولأيام القمع والتنكيل، إياكم أن تخذلوا شعبنا الذي تنفس الصعداء، وأن تسمحوا للرموز البائدة بالتحكم في مصير شعبنا، وأن تقبلوا بشروط من انغمسوا في الفساد والافساد، وأن تعود الى غزة تلك الزمر وأوكارها.

استمرت الجولة على باقي المقار الأمنية، الحال لا يختلف كثيراً، لكن أمر آخر لفت انتباهي، الشعارات المكتوبة والصور المرسومة على جدران تلك المقرات هي من لون واحد، قيادات رحلت من فصيل بعينه، شعارات تمجد حركة بعينها، وكأنها مقرات حزبية لفصيل واحد، ما زالت الشعارات والصور كما هي لم تمح من قبل الحكومة، دلائل على حصرية وتبعية تلك الأجهزة لمن اختطف القرار الفلسطيني، ثم يحدثونك عن الشراكة والوحدة والاقصاء والكراسي، لا عجب لماذا كانت تلك الأجهزة سبب الفوضى والفلتان، ولا عجب أن أنهارت تلك الأجهزة الحزبية بهذه الطريقة، ولا عجب أن يجلس أفرادها اليوم في بيوتهم يتلقون رواتبهم!.

ألا يوجد في غزة إلا المقرات الأمنية؟ الحقيقة أن ما كان يسمى بالمربع الأمني هو منطقة كبيرة جداً تمتد من وسط المدينة وحتى شاطيء البحر، وفيها مساكن للضباط وأبراج تتبع هذا الجهاز أو ذاك وغيرها، وهي منطقة شهدت أكثر الأحداث دراماتيكية يوم 14/06/2007، لكن بالتأكيد غزة ليست كلها مقرات أمنية.

على أطراف تلك المنطقة تقف الجامعة الاسلامية شامخة، تجاورها جامعة الأزهر، جامعتان شقيقتان لا تجتمعان، فرقتهما الأحداث، أو هكذا كانتا. تذكرت الهجمة الشرسة والهمجية التي مارسها حرس عبّاس العام الماضي، وعمليات التخريب والحرق. دخلت الجامعة الاسلامية، كانت تخلو من الطلاب فالوقت اجازة، آثار الحرق ما زالت شاهدة، "حرس الرئيس مر من هنا" مكتوبة في أكثر من مكان. جامعة جميلة منظمة راقية، عمال الصيانة في كل مكان، ترميم وطلاء وتجميل فوق الجمال لتأخذ زينتها من جديد، كيف لا وهي مدرسة الرجال والقادة.

كنا على موعد بعدها مع منزل الشيخ أحمد ياسين رحمه الله، حيث كان يسكن، هذا هو المسجد الذي كان يصلي فيه، وهنا استهدفته صواريخ الغدر بعد صلاة الفجر من يوم 22/03/2004، رحمك الله يا شيخ أحمد وأسكنك فسيح جناته مع الأنبياء والشهداء والصديقين، لروحك الطاهرة نقرأ الفاتحة، منزله كأي منزل آخر بسيط لا يميزه شيء. خطر ببالي خاطر: لننطلق نحو بيت عبّاس أو ما يسمى بالمنتدى، أريد أن أقارن بين منزل الشيخ رحمه الله ومنزل عبّاس!.

المنتدى المذكور يقع مباشرة على شاطيء بحر غزة، له مدخل ومخرج، مبنى جميل تحفه الحدائق، مقر يليق بقائد شعب فلسطين، لكنه لا يليق بأن يصبح وكراً لقطاع الطريق، هكذا على الأقل كان في أيامه الأخيرة، انطلقوا منه لمهاجمة وحرق المنازل المجاورة، ولبث الرعب في نفوس الآمنين، وهو ما اعترف به سميح المدهون بنفسه وصوته، وهو من تمترس في المنتدى وهرب من بحره.

المنتدى اليوم بلا سكان، محافظ عليه، غير مسموح بدخوله، في انتظار ما تسفر عنه الأيام القادمة من تفاهمات، لكن المقارنة وقعت: شيخ جليل وقائد عظيم يسكن في بيت عادي، وما يشبه القصر يصبح مقراً لمن ..... لن أفصّل.

المحطة التالية كانت منطقة الرمال، أفخم مناطق مدينة غزة، أراد من معي المداعبة فأوصلونا إلى منزل هناك وقالوا "هذا منزل دحلان انزل اتفرج وخدلك صورة"، لكن صاحب المنزل ورغم أن بيني وبينه قضاء ومحاكم غير موجود، لن أدخل منزلاً دون استئذان حتى وان كان منزل دحلان، هذه أخلاقنا وهكذا تربينا، أم أخلاقهم فهذا شأنهم. كنت أتخيل منزل الشوا قصراً لكنه عبارة عن فيلا جميلة بجدرانها البيضاء، مهجورة دون أبواب أو نوافذ وبلا علامات مميزة إلا عبارة كتبت على مدخلها تقول: "هنا كان يسكن الأصفر ابن الأصفر".

من هناك توجهنا إلى مقر المجلس التشريعي، وبعد الحصول على الموافقات دخلنا الى مبنى التشريعي الجديد الذي تعطل إكمال وإتمام بنائه بعد وقف ميزانيته العام الماضي، ليكتمل اليوم، مبنى جميل وحديث يقف بجوار المبنى القديم الذي بنته مصر ابان ادارتها لقطاع غزة، كان داخله مظلماً بلا كهرباء، صعدنا درجات السلم ووصلنا إلى مكتب د. أحمد بحر النائب الأول لرئيس المجلس التشريعي، استقبلنا بحفاوة، كان صائماً فاليوم هو الخميس لكنه قدّم لنا القهوة والتمر، تحدثنا عن الأوضاع وآفاق المستقبل، عاتبني بحنان على قسوة قلمي، قبلت منه ذلك بكل محبة، ودّعنا د. بحر حتى باب المجلس بتواضع جم، بعد أن أمتعنا بحديثه وكلامه.

الساعة تعدت منتصف النهار، يرن الهاتف، المتصل يعلمنا: السيد اسماعيل هنية رئيس الوزراء سيلتقيكم تمام الواحدة والنصف في منزله، خبر مميز كنت انتظره.

أقمنا صلاة الظهر والعصر جمعاً وقصراً في مقر وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ثم الاستعداد للتحرك، والانطلاق نحو مخيم الشاطيء حيث يقطن السيد اسماعيل هنية للقائه، وكان اللقاء المرتقب...

 

<<< الجزء الثاني                                                                                                                        الجزء الرابع >>>

ألإشتراك بالنشرة البريدية

كي تصلك المقالات وجميع المنشورات أولاً بأول قم بإضافة إسمك وبريدك الالكتروني بالحقول أدناه.

اخر المقالات

الأيقونة الأيقونة د. إبراهيم حمامي 06/08/2018 المشكلة ليس في شكل عهد التميمي كما يحاول البعض أن يقزم...
سألني فأجبت سألني فأجبت د. إبراهيم حمامي 02/07/2018 سألني أحدهم وبوقاحة: الم يحن الوقت لتعترف بخطأ موقفك...
الضفة، لحديو فلسطين والجمل الأجر الضفة، لحديو فلسطين والجمل الأجرب د. إبراهيم حمامي 14/06/2018 ما تم توثيقه يوم أمس من قمع للمسيرات المطالبة برفع...
غزة ودرس اليوم غزة ودرس اليوم د. إبراهيم حمّامي 14/05/2018 لم يكن اليوم كغيره من الأيام، يوم يُسجل في ذاكرة ...
إلى السائرين العائدين إلى السائرين العائدين د. إبراهيم حمّامي 12/05/2018 للسائرين نحو الوطن... للمطالبين بحقهم المطلق في العودة...
حول اجتماع رام الله تحت مسمى المجلس... حول اجتماع رام الله تحت مسمى المجلس الوطني د. إبراهيم حمّامي 29/04/2018 النظام الأساسي للمجلس الوطني ينص على انعقاده سنوياً...
عشرون شرطاً حتى تكون م ت ف وهياكلها... عشرون شرطاً حتى تكون م ت ف وهياكلها ممثلاً للشعب الفلسطيني د. إبراهيم حمّامي 28/04/2018 تحاول القيادة المتنفذة لمنظمة التحرير الفلسطينية...
الغرب وكيماوي دوما الغرب وكيماوي دوما د. إبراهيم حمّامي 11/04/2018 النظام السوري ومن يدعمه مجرمون قتلة فاشيون لا يتورعون...