صفقة القرن

سخونة الحديث عن "صفقة القرن" ارتفعت مؤخراً لتتناولها وسائل إعلام وتصريحات سياسية غربية، سنتناول هنا توقيت وجوانب وتفاصيل ومراحل هذه الصفقة، وعمليات التمهيد لها التي بدأت بالفعل.

https://drhamami.net/drdocs/صفقة القرن.pdf                   للحصول على الدراسة بصيغة اكروبات

 

صفقة القرن

الحلم القديم الجديد

د. إبراهيم حمامي

لندن – آب/أغسطس 2018

 

فهرس الأقسام

مقدمة

توقيت صفقة القرن

اسرائيلياً: ارهاصات ضعف وترهل "إسرائيل"

فلسطينياً: الوضع الفلسطيني المتأزم

عربياً: مشاركة وتواطؤ

أمريكياً: سباق مع الزمن

دولياً: عجز وترقب

جوانب صفقة القرن

التمهيد لصفقة القرن

مراحل صفقة القرن

كيف أصبحت سايكس بيكو أمل الأمة؟

تقارير عن صفقة القرن

الخاسرون والرابحون في صفقة القرن

دولة فلسطينية في سيناء

بنود صفقة القرن – تقرير صائب عريقات

تقرير موقع ديبكا عن صفقة القرن

صفقة القرن، هكذا يرى ترمب حل القضية الفلسطينية

صفقة القرن، قراءة في الأبعاد والمسارات

تقرير "المصري اليوم" عن صفقة القرن

هل ستمر صفقة القرن

ختاماً

 

 

مقدمة

في بدايات القرن العشرين بدأ تيودور هيرتزل مؤسس الحركة الصهيونية تحركاته بحثاً عن أي مكان يبدأ فيه مشروعه الاحلالي العنصري، فلسطين كانت في قلب مخططاته لكنه لم يمانع بمحطات أخرى نحو الهدف الأكبر، ولأن مشروعه مشروع احتلالي غير قائم على حدود بعينها، كان استيطان سيناء وتحديداً شمالها في مركز مخططاته.

في تلك الفترة التقى هرتزل في لندن باللورد روتشيلد عام 1902 بهدف استيطان سيناء، واستمرت اتصالات هيرتزل مع المسئولين البريطانيين ومنهم جوزيف تشمبرلين (وزير المستعمرات البريطاني) في رسالة موثقة أرسلها له بتاريخ 12/07/1902، وفي مذكرة لوزير الخارجية البريطانية في حينها الماركيز لانستون بتاريخ 24/10/1902 استهدف هيرتزل فيها الحصول على امتياز باستيطان سيناء من الحكومة البريطانية التي قدمت إليه فكرة مفاوضة مصر على ذلك، كما أرسلوا توصية إلى اللورد كرومر ببحث المشروع – راجعوا الوثائق المنشورة على موقع مؤسسة الدراسات الفلسطينية.

لهذا الغرض تحديداً تم إرسال بعثة فنية إلى مصر عام 1903 ومكثت في سيناء شهرا ثم أعدت تقريرها، وتذكر بعض المصادر انه لأسباب اقتصادية وسياسية فشلت المساعي الصهيونية في إقامة مستعمرة بسيناء، رغم محاولات بعض رجال الجمعية الصهيونية الذين وصلوا بالفعل إلى رفح واشتروا من أهلها بعض الأراضي بقصد تأسيس مستعمرة لهم هناك، لكن بعض تلك الأراضي كان للحكومة وبعضها متنازع على ملكيته فلم يثبت لرجال الجمعية من الأرض ما يكفي لإنشاء مستعمرة فوقف عملهم – راجعوا كتاب سعيد رمضان علي "سيناء الأهمية والمعنى" - 2008

تفاصيل مشروع تيودور هيرتزل لاستيطان سيناء وردت في مذكراته المعروفة باسم "يوميات هيرتزل" وقد ترجم وثائق المشروع الأستاذ كامل زهيري في كتابه المهم "النيل في خطر" وتناولها العالم المصري الدكتور جمال حمدان في كتابه "سيناء في الاستراتيجية والسياسة والجغرافيا" وأشار إليها محمد حسنين هيكل في كتابه "المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل"، وصدرت ترجمات مختصرة للمذكرات يمكن الرجوع إليها للإحاطة بالتفاصيل الكاملة – راجعوا مقال عامر عبد المنعم – الجزيرة نت مارس 2016

كانت هذه المقدمة التاريخية لتوضيح مدى استعداد الحركة الصهيونية - التي أقامت "اسرائيل" لاحقاً - لتغيير التركيبة الجغرافية والسكانية والاجتماعية في سبيل تحقيق مخططاتها، وبغض النظر عن الثمن المطلوب من أصحاب الأرض وسكانها الأصليين.

اليوم يتم الحديث والتمهيد الفعلي لما اصطلح على تسميته ب"صفقة القرن"، وهو تكرار لمخططات قديمة جديدة لتغيير خارطة المنطقة برمتها: جغرافياً وسكانياً وسياسياً واقتصادياً.

ورغم محاولات البعض التشكيك بوجود "صفقة القرن" من الأساس، وأن الحديث هو اختراع فكري من أصحاب نظرية المؤامرة العرب، بل "خرافة" كما وصفتها نيرفانا محمود في مقال لها على موقع قناة الحرة، أو "أكذوبة" كما أطلق عليها محمد دحلان في تصريحات له في مارس/آذار الماضي، إلا أن الوقائع على الأرض تشير بما لا يدع مجالاً للشك أن هناك "طبخة" تطبخ تحت أي مسمى كان، وهو ما أكدته تصريحات نيكي هيلي مندوبة الولايات المتحدة الأمريكية في الأمم المتحدة.

من اللافت أن أغلب ما تسرب أو رشح عن "صفقة القرن" كان من مصادر عبرية، إما في وسائل الإعلام أو تصريحات مسؤوليهم، لكن دون أن تطرح بشكل واضح أو رسمي.

الساسة العرب يتحدثون عنها بصيغة المبهم، تعليقاً أو رفضاً كل حسب مصالحه وظروفه.

سخونة الحديث عن "صفقة القرن" ارتفعت مؤخراً لتتناولها وسائل إعلام وتصريحات سياسية غربية، وليقر بها مسؤولو السلطة الفلسطينية برام الله.

سنتناول هنا توقيت وجوانب وتفاصيل ومراحل هذه الصفقة، وعمليات التمهيد لها التي بدأت بالفعل.

 


 

توقيت "صفقة القرن"

 

توقيت "صفقة القرن"

لا تتوقف حدود "صفقة القرن" على الشأن الفلسطيني بل تتعداه لكل أقطار المنطقة بجوانب وترتيبات ومراحل هدفها الأخير وربما الوحيد هو دمج "إسرائيل" الكامل بالمنطقة واعتبارها شريكاً استراتيجياً وحليفاً في مواجهة أخطار أخرى ليست إيران آخرها.

ولأن "إسرائيل" في ورطة لا نبالغ إن قلنا إنها وجودية، كان لابد لصفقة ما أن تُطرح في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وبطريقة فرض الأمر الواقع، وبأسلوب استبدادي سواء قبلت بها الأطراف أم لم تقبل، طالما أن "إسرائيل" هي المستفيدة في نهاية المطاف.

يسابق ترمب وإدارته الزمن لخلق أو فرض واقع جديد لصالح دولة الاحتلال لإدراكهم التام بالوضع الذي تعيشه، ولمعرفتهم بظروف المنطقة عربياً، لكن الأهم وجود أطراف عربية لا تقبل بالصفقة وحسب بل تعمل وبجد لفرضها على الأطراف الرافضة لها.

إسرائيلياً

إرهاصات ضعف وترهل "إسرائيل" باتت واضحة، وهي كثيرة وفي كافة مناحي الحياة، وهي ما تحتاج دراسة مفصلة منفصلة، لكن نضع هنا أهم مؤشراتها، السبب المباشر للتعجيل بطرح "صفقة القرن":

في مقال لفرناس حفظي على موقع 7 أيام نُشر في 18/02/2018 يقول:

"نجحت الآلة الإعلامية الإسرائيلية في إظهار المجتمع الإسرائيلى بصورة المُستقر والقوى، الذى لا يُمكن شق صفه أو هدمه بأي شَكل من الأشكال، كما استغلت إسرائيل أيضًا سياسة الردع النووي لبسط هيمنتها على منطقة الشرق الأوسط، حتى تَنْجح فى إظهار صورة المجتمع الإسرائيلى كدولة مُستقرة سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، وتستغل الدولة العبرية في ذلك جَهْل الطرف العربي بخبايا تفاصيل المجتمع الإسرائيلى، ويرجع ذلك لأسباب نقص الوعى والثقافة، بحجة أن التعمق فى الشأن الإسرائيلى، وفهم ما بين سطوره يعتبر تطبيعًا معه".

ليضيف في رصد وتفصيل لمواطن الضعف في المجتمع الإسرائيلي نقاط كان أبرزها:

  • الشتات وعقدة العبودية
  • عدم الاتفاق على مصدر تشريعي واحد
  • عدم الإيمان الكامل بالدولة الصهيونية
  • هاجس الهوية العربية في المجتمع الإسرائيلي
  • تعدد الهويات والثقافات للمهاجرين اليهود وازدياد النعرات

 

يضاف لتلك النقاط التي أثارها حفظي نقاط أخرى منها:

  • نضوب المعين البشري، بمعنى عدم القدرة على استجلاب يهود من دول العالم الأخرى بأعداد كبيرة
  • ازدياد ظاهرة الهجرة العكسية خاصة بعد كل مواجهة عسكرية
  • يقابل ذلك الزيادة البشرية للفلسطينيين في فلسطين التاريخية (من النهر للبحر) أو ما يُصطلح على تسميته بــ "القنبلة البشرية" الفلسطينية
  • استشراء الفساد حتى بين النخب السياسية، وصولاً لرؤساء الحكومة (أولمرت ونتنياهو مثالاً)
  • صعود اليمين المتطرف – بمتدينيه وعلمانييه - وهيمنته على مفاصل القرار
  • الانكفاء على الذات من خلال الجُدر بعد تراجع المشروع التوسعي الاحتلالي
  • ضرب الروايات الدعائية التي تداولوها لعقود من خلال مجموعة من المؤرخين الجدد، نسفوا العديد من الروايات التاريخية المغلوطة والمشوهة
  • تشكيكهم بالبقاء بعد عقود من الزمن، وهل ستحتفل "إسرائيل" بمئويتها؟ ومن أهم من كتب في ذلك ابراهام بورغ رئيس الكنيست السبق عن حزب العمال ورئيس الوكالة اليهودية السبق الذي نعى الصهيونية و"إسرائيل" في كتابه "الانتصار على هتلر"
  • ازدياد الرفض الشعبي حول العالم لممارسات دولة الاحتلال، وانتشار حركات المقاطعة وعلى رأسها BDS التي تحاربها "إسرائيل" بكل الوسائل وتعمل على تجريمها رغم سلميتها المطلقة

 

 

  • ضعف الأداء الاقتصادي وعدم قدرة الدول الداعمة في استمرار تقديم المنح المالية والهبات
  • رحيل الجيل المؤسس لدولة الاحتلال وعدم وجود قيادات بديلة حقيقية، وهو ما أدخل النظام السياسي بمأزق التمسك بنتنياهو رغم القضايا المرفوعة عليه

لكن في مجتمع قائم على التجييش والعسكرة والعدوان على الجيران، يبقى كل ما سبق أقل أهمية طالما حافظت "إسرائيل" على جيشها وقدراته.

لكن حتى في هذا الشأن بدأت مظاهر الترهل بل والتفكك تظهر عسكريا، وهو ما رصده تقرير لعدنان أبو عامر المتخصص في الشؤون الإسرائيلية ونُشر على موقع عربي 21 بتاريخ 13/04/2018 وحدد فيه أهم مظاهر التفكك في الجيش الإسرائيلي:

  1. ترهل بنية الجنود
  2. القطيعة بين القادة
  3. ضعف التدريبات الميدانية
  4. فقدان ثقة الجمهور بالجيش وازدياد ظاهرة انتقاده
  5. غياب الاعتزاز بالجيش
  6. أوضاع نفسية ومعنوية سيئة وانتشار ظاهرة البكاء بين الجنود خاصة بين المظليين

إن أضفنا لتلك النقاط ما يلي:

  • انتهاء أسطورة الجيش الذي لا يقهر بعد سلسلة مواجهات مع حركات لا جيوش كما حدث في جنوب لبنان وغزة
  • تآكل قوة الردع التي اعتمد عليها الجيش الإسرائيلي لعقود من الزمن
  • ضرب عمق التجمعات السكانية في المواجهات الأخيرة والشعور بعدم توفر الأمن حتى في المدن الكبيرة
  • ازدياد ظاهرة الهروب من الخدمة العسكرية ونقص أعداد المتطوعين، وهو حذا بالقيادات السياسية والعسكرية بفرض التجنيد الإجباري حتى على المتدينين
  • حدوث اختراقات تجسسية أمنية كبرى وعلى مستويات عالية، كما هو الحال مع العقيد في الجيش الإسرائيلي الحنان تننباوم أو الوزير الأسبق تونين سيجيف
  • تعرض جنود وجنرالات الجيش الإسرائيلي للملاحقات الجنائية في الدول الغربية على خلفية جرائمهم، وتأثير ذلك على معنوياتهم

كل ما سبق من مظاهر ترهل وضعف وتفكك وربما انهيار "إسرائيل" أوجب الإسراع بفرض الحلول من خلال "صفقة القرن" أو أي صفقة أخرى تؤدي لذات النتيجة من انتشال وإنقاذ لدولة الاحتلال من وضعها المأزوم.

 

فلسطينياً

يمر الوضع الفلسطيني في واحدة من أسوأ مراحله، لا يستثني أي طرف على حدة أو مجتمعة، وهو ما يتسبب بضعف واضح يصل حد الغياب عمّا يجري ويُحاك للمنطقة.

في نقاط غير تفصيلية نستعرض الوضع الفلسطيني كما هو اليوم

فتح

  • خلافات داخلية مستشرية بين عدة تيارات أبرزها عبّاس-دحلان
  • مرض محمود عباس واحتدام معركة خلافته في رئاسة الحركة
  • انسداد أفق التسوية التي تعول عليها فتح في شرعنة قيادتها للسلطة
  • مأزق اقتصادي متزايد وشح في المساعدات الخارجية
  • فقدان الإدارة والإرادة للتغيير
  • استشراء الفساد وشراء الولاءات في الضفة الغربية
  • ازدياد العزلة بشكل غير مسبوق وهو ما ظهر جلياً في اجتماع المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية الأخير في رام الله والذي قاطعته كل الفصائل الرئيسية المنضوية تحت المنظمة

حماس

  • حصار غزة الخانق منذ انتخابات التشريعي الأخيرة في 2006
  • ازدياد الضغط المصري من خلال تدمير معظم إن لم يكن كل الأنفاق التي كانت بمثابة شريان الحياة لغزة
  • تشتت قيادة الحركة في أكثر من دولة بعد مغادرة دمشق قبل أعوام وصعوبة عقد لقاءات شاملة
  • عزل رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية داخل قطاع غزة ورفض المخابرات المصرية السماح له بالسفر خارج مصر
  • خلافات داخلية تطفو على السطح بين فينة وأخرى
  • تقليص حجم الداعمين والضغط على من تبقى منهم وتحديداً قطر وتركيا
  • ممارسات السلطة في الضفة الغربية التي تقصي وتلاحق أي عناصر لحماس هناك
  • التهاء الشعوب العربية بمشاكلها الداخلية وتقلص الدعم المادي الجماهيري

ومما بين فتح وحماس يبقى ملف المصالحة معلقاً دون أي تقدم بعد أكثر من 10 جولات واتفاقات وتفاهمات كان آخرها اتفاق القاهرة في شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

 

 

أما باقي القوى الفلسطينية فقد تاهت بين هذا وذاك وأصبحت من الناحية العملية هامشية لا تؤثر في القرار الفلسطيني.

كل ذلك أدى لضعف الموقف الفلسطيني مما يحاك للمنطقة برمتها، مع انعدام القدرة على مواجهته بشكل جماعي رسمي.

 

عربياً

ما كان لإدارة ترمب أن تتجرأ وتطرح مبادرات وأو صفقات تنهي القضية الفلسطينية، وتتخذ خطوات كنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب للقدس واعتبار القدس عاصمة ل"إسرائيل" لولا المشاركة العربية المباشرة في هذه الصفقة، المشاركة التي تصل حد التواطؤ.

نظام السيسي

  • جزء لا يتجزأ من أجل تمرير الصفقة
  • البحث عن شرعية مفقودة ما زال يسعى لها
  • محاولة استعادة الدور الإقليمي
  • تنفيذ ما هو مطلوب بحجة مكافحة الإرهاب
  • احداث طفرة اقتصادية هو في أمس الحاجة لها

محور "الاعتدال"

وتحديداً السعودية والامارات

  • استكمال محاربة الثورات العربية – بالثورات المضادة
  • إعادة رسم الولاءات والتحالفات بما يخدم مصالح البلدين
  • محاولة قيادة المنطقة
  • التغطية على الفشل العسكري في اليمن
  • الحصول على الدعم المطلوب للحفاظ على كراسيهم حتى ولو بدفع مئات المليارات
  • المراهنة على "صداقة" ودعم دونالد ترمب
  • استكمال التطبيع والشراكة العلنية مع "إسرائيل" بعد مرحلة الجري واللهاث السري

 

أمريكياً

يسابق الرئيس الأمريكي الزمن لتمرير ما وعد به في السياسة الخارجية، وهو ما لا يختلف عما كانت تقوم به الادارات الأمريكية السابقة بشكل غير علني، وإعلان الصفقة المقترحة سيحقق عدة فوائد لإدارته منها:

  • تحقيق وعوده الانتخابية للظهور بمن ينفذ ولا يتحدث فقط
  • تخفيف الضغط الداخلي عليه خاصة مع احتمالات عزله المتزايدة
  • إرضاء المتطرفين من إدارته ومنهم صهره كوشنر ومبعوثه جرينبلات وسفيره فريدمان
  • الحصول على تأييد الناخبين من الانجيليين الداعمين بقوة ل "إسرائيل" في الانتخابات النصفية القادمة
  • انشاء محور شرق أوسطي جديد تكون "إسرائيل" مركز الصدارة فيه لتحقيق المصالح الأمريكية
  • ضمان تدفق الأموال العربية – الخليجية تحديداً – لإدارته

 

دولياً

يقف المجتمع الدولي شبه عاجز عن مواجهة التوجه الأمريكي، خاصة أن إدارة الرئيس ترمب فرضت عقوبات ورسوم إضافية حتى على أشد حلفائها كالاتحاد الأوروبي، وتهدد بالمزيد، مما أدخلها في مواجهة مباشرة لا ينقصها مواجهات أخرى من أجل فلسطين أو "إسرائيل".

إضافة أن المنطقة العربية برمتها تُشكل صداعاً مزمناً للغرب الذي ربما يرى في محاولة فرض حل/حلول إنهاء لذلك الصداع.

أما الدول الأخرى – غير الغربية – فهي عاجزة تماماً عن فرض أو تغيير أي شيء، فلديها من المشاكل الداخلية ما يكفيهاأة

وسط الضعف الفلسطيني والعربي، ومع تواطؤ أطراف إقليمية، ومع حاجة الغرب أمريكياً وأوربياً تأتي هذه الصفقة في هذا التوقيت، في محاول مستميتة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه إسرائيلياً.

 


 

جوانب "صفقة القرن"

 

جوانب "صفقة القرن"

صفقة القرن ليست إنهاء للقضية الفلسطينية فقط، وليست محصورة بالجانب السياسي للملف الفلسطيني – الإسرائيلي، بل تتعداه لمناحٍ وجوانب أخرى ضمن تسوية شاملة للمنطقة، أو هكذا يريدون!

سياسياً

  • إنهاء القضية الفلسطينية وفرض حل/حلول ولو بالإكراه هو الهدف الأول والمباشر لتحقيق باقي الجوانب، وفي هذا الشأن عرض كوشنر المكلف بالملف عدة أفكار جميعها تصل لنتيجة واحدة - لا دولة فلسطينية ذات سيادة – فكان الحديث عن كونفدرالية مع الأردن، دولة متدحرجة، دولة مؤقتة في غزة يلتحق بها ما يتبقى من الضفة الغربية، دولة بديلة، وغيرها من الحلول التلفيقية
  • إنهاء ملف اللاجئين الفلسطينيين العقبة الكأداء في أي تسوية مقترحة، من خلال مقترحات التوطين والتهجير الجماعي
  • إجهاض الربيع العربي نهائياً
  • التطبيع العلني الكامل مع دولة الاحتلال، في هذا الشأن يقول محمد أبو سعدة في بحث منشور على موقع المعهد المصري للدراسات: "كافة المبادرات الخاصة بالعملية السلمية بين الدول العربية والكيان الصهيوني كانت تنص على إقامة علاقات عربية علنية مع الكيان الصهيوني، بعد التوصل إلى اتفاقية سلام، والتي كان آخرها مبادرة السلام العربية عام 2002م، إلا أن الوضع في صفقة القرن، يقوم على تطبيع العلاقات العربية الصهيونية، قبل البدء بالعملية السلمية، كدافع “تحفيزي” للكيان الصهيوني من أجل التوصل لعملية سلمية؛ وليس بعدها. وهو بند في غاية الخطورة، لأن ذلك من شأنه تغييب الموقف العربي بالكامل عن مشهد الصراع الفلسطيني والصهيوني. مما يجعل الأخير ينفرد بالقضية الفلسطينية وتصفيتها بالطريقة والشكل الذي يريده.
  • تنصيب "إسرائيل" زعيمة على المنطقة العربية بعد تقسيم دول المنطقة وتفتيها لدول أصغر على أسس دينية أو عرقية أو طائفية أو قبلية أو مناطقية
  • دخول "إسرائيل" في حلف وشراكة مع باقي دول المنطقة خاصة مصر الامارات والسعودية لمواجهة القوى الإقليمية الأخرى في المنطقة وتحديداً إيران وتركيا
  • إعادة تشكيل المنطقة بما يمنع أي ثورات على الحكام فيها، أو ضد "إسرائيل"
  • إعادة تأهيل الأنظمة السابقة – السيسي في مصر والأسد في سوريا كاستمرار لهيمنة العسكر هناك
  • تنصيب زعامات موالية بعينها في باقي الدول تسير في فلك التحالف العربي-الإسرائيلي الجديد

دينياً

  • محاربة الإسلام المعتدل باعتباره حاضنة للإرهاب، واستئصاله ما أمكن
  • ضرب الإسلام السياسي بشكل نهائي، ومنع أي حزب أو تيار إسلامي من الظهور والوصول للسلطة
  • ضرب المنظومة الدينية بالكامل – كما حدث من تقزيم تام "للوهابية" في السعودية
  • نشر ثقافة دينية جديدة تحت مسمى "الاعتدال" تجرد الدين من أساسياته وتضمن الولاء ل"ولي الأمر"
  • تغريب حضاري شامل للمنطقة، من خلال ضرب الثقافات المحلية ونشر الثقافة الغربية، والتشجيع عليها

إقتصادياً

  • وهو ربما الجانب المغري الذي من خلاله تحاول الإدارة الأمريكية تمرير الصفقة من خلال حزم مالية واقتصادية كبيرة، لكنها في النهاية تضمن أيضاً أن المستفيد الأكبر هو "إسرائيل" التي ستستفيد بشكل مباشر دون تقديم أي مقابل من أي نوع، ومن خلال ربط كل المقترحات الاقتصادية بها
  • لا ننسى هنا ملف الطاقة – أو الغاز في شرق المتوسط – الذي بدأت "إسرائيل" باستغلاله ونهبه والتعدي على حقوق الدول المجاورة فيه – لبنان وغزة – وكذلك الخلاف اليوناني التركي على ترسيم الحدود المائية في جزيرة قبرص المقسّمة
  • "صفقة القرن" في تفاصيلها الميدانية وتحديداً في مرحلتها الثانية كما سيأتي لاحقاً تتحدث عن فوائد إقتصادية جمة للفلسطينيين ومصر والأردن ودولة الاحتلال، وهو ما سنفصله عند الحديث عن تبادل الأراضي المقترح

 


 

التمهيد لــ "صفقة القرن"

 

التمهيد ل"صفقة القرن"

رغم رفض أو نفي البعض لوجود "صفقة القرن"، إلا أن المؤشرات على الأرض تثبت أن هناك ما يحاك ويعد للمنطقة، ناهيك على الكم الكبير من التصريحات التي بدأت مبهمة ثم ما لبثت أن أصبحت أكثر وضوحاً في الآونة الأخيرة، وبات الأمر بحكم المؤكد بانتظار الإعلان الرسمي.

سلسلة من الخطوات اتخذتها الإدارة الأمريكية تحديداً تمهيداً لذلك الإعلان، إضافة لمساعدة وتناغم من محور "الاعتدال" العربي الذي لا يدخر جهداً في إثبات ولائه للإدارة الأمريكية في مسعاها لفرض تلك الصفقة.

ودون الدخول في تعقيدات التفاصيل هذه نقاط لبعض تلك الخطوات التمهيدية:

  1. إصدار قانون جاستا – العدالة ضد رعاة الإرهاب – لمقاضاة دول بعينها شارك مواطنوها في هجمات 11 سبتمبر، وهو ما شكل ضغطاً كبيراً على السعودية والامارات تحديداً لقبول كل ما تفرضه الإدارة الأمريكية عليهم تفادياً للعقوبات المحتملة

  1. نقل السفارة الأمريكية للقدس واعتبارها عاصمة لدولة الاحتلال، والحديث أن هذا الملف الشائك قد تم رفعه من طاولة المفاوضات كما صرح الرئيس الأمريكي بنفسه

  1. تقليص الدعم الأمريكي للأونروا والضغط لإغلاقها نهائياً
  2. حديث كوشنر الذي تحدثت التقارير أنه ينوي إسقاط صفة لاجئ عن ملايين الفلسطينيين واعتبار أن صفة لاجئ لا تورث
  3. إغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن
  4. الحرب الشعواء على الشيوخ والدعاة في السعودية، والانقلاب التام على المنظومة الدينية هناك
  5. دفع مئات المليارات من السعودية للرئيس ترمب
  6. التراجع التام عن إسقاط نظام بشار الأسد والحديث عن إعادة تأهيله، الامارات أعادت فتح سفارتها، والسعودية تدعم بمائة مليون لمحاربة داعش!
  7. الحصار الرباعي على قطر والشروط الواضحة التي شملت إغلاق الجزيرة ووقف دعم الجماعات الإرهابية واعتماد القوائم الأمريكية للإرهاب – في إشارة لحركة حماس
  8. شيطنة الفلسطيني في وسائل التواصل الاجتماعي الخليجية وإعادة اجترار فرية بيع الفلسطيني لأرضه، واعتبار أن الخليجي لم يتضرر يوماً من "إسرائيل" ولا يوجد سبب لمقاطعتها
  9. الضغط المتواصل على تركيا عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، وبمشاركة عربية
  10. حملة تدمير شمال سيناء التي يقوم بها السيسي، تجريف وتهجير وتدمير شامل
  11. تسليم – أو بيع – جزيرتي صنافير وتيران للسعودية لتحويل ممر تيران لممر دولي يسمح بحرية الملاحة التامة لدولة الاحتلال

  1. مشاريع إدماج "إسرائيل" في المنطقة – مشروع نيوم على سبيل المثال
  2. الغزل العلني بين السعودية والامارات من جهة و"إسرائيل" من جهة أخرى، راجعوا تصريحات محمد بن سلمان في الولايات المتحدة أبريل/نيسان الماضي عن "حق الإسرائيليين في أن يكون لهم وطن يعيشون فيه بأمان"
  3. الحرب المعلنة على الربيع العربي وصرف المليارات لتدمير دول بعينها – ليبيا واليمن مثالاً
  4. الشروع في نشر الثقافة الغربية في السعودية تحديداً، من خلال الحفلات الترفيهية والاختلاط، وهو ما يعكس ثقافة دينية محلية خاصة زرعت هناك لأكثر من قرن
  5. حملات إعلامية شرسة لتشويه كل من يعارض توجهات تلك الدول في المنطقة
  6. قبول السيسي بشكل علني لصفقة القرن حتى قبل أن تُنشر تفاصيلها
  7. وقف المساعدات المالية التي تقدمها ​الولايات المتحدة​ للسلطة الفلسطينية و​وكالة الاونروا​، وتهديد ​الحكومة الإسرائيلية​ بالامتناع عن دفع حصة السلطة من الضرائب المجباة لصالحها، ومعروف أن السلطة تعاني من أزمة مالية، فيما الاونروا قلصت تقديماتها بسبب تراجع الدعم الدولي لها، وإذا امتنعت «إسرائيل» عن تسديد الضرائب فإن السلطة ستصبح في حالة إفلاس عاجزة عن دفع رواتب موظفيها.
  8. وقف المساعدات المالية للأردن مما أوقع الحكومة في حالة من العجز المالي حاولت معالجته عبر الاستدانة من الصندوق الدولي وفرض حزمة من الضرائب غير المباشرة على المواطنين، الأمر الذي تسبب بانفجار الأزمة واندلاع التظاهرات الشعبية في معظم أنحاء البلاد
  9. الضغط على لبنان بمزيد من العقوبات المالية التي تطال بيئة ​حزب الله​ وكل من يدعمه ويسانده مما يجعل معظم اللبنانيين يعانون من هذه العقوبات.
  10. البدء بخطوات تطبيعية من قبيل السماح بالطيران فوق السعودية للرحلات المتوجهة إلى تل أبيب – خط دلهي-تل أبيب مثالاً

 

  1. المشاركة في مناورات مشتركة بين دول الخليج و"إسرائيل" وكذلك في اللقاءات الرياضية
  2. فتح المنابر الإعلامية للربط المباشر مع مشاركين من داخل "إسرائيل" على شاشات الدول التي لا ترتبط بعلاقات مباشرة معها

 


 

مراحل "صفقة القرن"

مراحل "صفقة القرن"

ما رشح عن تلك الصفقة حتى اللحظة ورغم التباين في التفاصيل في بعضه، إلا أن هناك شبه إجماع أن الصفقة المقترحة تشمل ثلاث مراحل

المرحلة الأولى: فلسطينية – إسرائيلية

وتشمل

  • إنهاء أو تقزيم حركة حماس في قطاع غزة – من خلال ضغط معيشي متواصل يؤدي لقبولها باي اتفاق يضمن استمرار الحياة في غزة دون الدخول في تفاصيل سلاحها، لكن يشمل هدنة يتم التوافق على مدتها ووقف العمل في الأنفاق ووقف تطوير القدرات العسكرية
  • إنشاء كيان سياسي في غزة بصفة "دولة ذات حدود مؤقتة" تحت الإدارة الفلسطينية بالاتفاق بين الأطراف الفلسطينية صاحبة الشأن ثم عبر الانتخابات التي ستجري بعد ستة أشهر
  • إيجاد حلول إغاثية سريعة تشمل تسهيلات اقتصادية وفتح المعابر وزيادة تزويد إمدادات الطاقة ودفع الرواتب
  • ضم "إسرائيل" للكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية، وإبقاء منطقة الغور تحت السيطرة المباشرة
  • استبعاد القدس تماماً من ملف التسوية واعتبارها عاصمة موحدة ل"إسرائيل"، وخلق قدس جديدة من أحياء الطور، العيسوية، أبو ديس وسلوان تكون عاصمة للدولة الفلسطينية
  • تنضم باقي الضفة الغربية (41-42%) من مساحتها الأصلية للدولة المؤقتة في غزة
  • تقديم حزمة اقتصادية لتحسين أوضاع الفلسطينيين خاصة في قطاع غزة كشفت صحيفة هآرتس العبرية عن جزء منها في عددها الصادر في 24/06/2018 لتقول أن الولايات المتحدة ستستثمر أموالها في شبه جزيرة سيناء، من خلال إنشاء منطقة تجارية حرة مع خمسة مشاريع صناعية كبيرة.
  • وتابعت الصحيفة بأنه تم التوافق على بناء منطقة صناعية في سيناء، سيتم توظيف ثلثي أهل غزة وثلث من أهالي سيناء للعمل في تلك المنطقة.
  • وأضافت "هآرتس" بأنه سيتم إنشاء ميناء مصري غزي تحت إشراف الأمن المصري، وكذلك محطة للطاقة الشمسية، وفي المستقبل سيتم إنشاء مطار، سيتولى المصريون إدارته.

المرحلة الثانية: فلسطينية – إسرائيلية - عربية

وهي أهم وأخطر المراحل التي بحسب تفاصيل الصفقة ستغير وجه المنطقة بالكامل لصالح "إسرائيل"، والتفاصيل في هذه المرحلة كبيرة وكثيرة ومرعبة ستناولها بدقائقها بحسب ما نُشر.

ولأهمية هذه المرحلة فإنها ستستحوذ على الجزء الأكبر من هذا البحث.

البداية هي في عناوين المرحلة العريضة:

  • إنهاء ملف اللاجئين الفلسطينيين تماماً، إسقاط صفة اللاجيء عن الملايين، رفض توريث صفة اللاجئ، تذويب الفلسطينيين وهويتهم في أماكن إقامتهم إما توطيناً أو من خلال وضع خاصة، مع فتح باب الهجرة لعشرات الآلاف نحو كندا وأستراليا وغيرها
  • كونفدرالية بين الدولة الفلسطينية المؤقتة والمملكة الأردنية الهاشمية، تكون هي المركز لعودة من يرغب من اللاجئين، أو ما يُسمى بالوطن البديل
  • ضم أجزاء من شمال سيناء المصرية لقطاع غزة لتوسيع طاقة استيعاب القطاع للمواطنين، وافتتاح مشاريع استثمارية ضخمة هناك، مقابل تبادل أراضٍ مصري – إسرائيلي
  • تبقى السيطرة الأمنية المطلقة للدولة الجديدة بيد دولة الاحتلال
  • إنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وإنهاء كافة المطالب من الجانب الفلسطيني
  • مساهمة دول الخليج في دفع تكلفة التسوية وفرضها على الأطراف المعنية
  • تقسيم دول الجوار لدولة الاحتلال – تحديداً سوريا لدويلات أصغر ضعيفة سواء تحت مسمى فيدرالي أو كدول مستقلة بذاتها

المرحلة الثالثة: تطبيع عربي إسرائيلي كامل وشراكة استراتيجية في المنطقة

وهو ما يعتمد على تنفيذ المرحلة الثانية، وإن كانت بوادر التطبيع قد بدأت كما أوضحنا أعلاه بطلب من الولايات المتحدة، كبوادر حسن نية عربية تجاه دولة الاحتلال لتشجيعها على المضي قدماً في الصفقة/عملية السلام.

يشمل ذلك أيضاً إعادة ترتيب المنطقة برمتها، من تقسيم وتجزئة وتثبيت لأنظمة الحكم القمعية.

من المهم التنويه إلى أنه يراد تصفية القضية الفلسطينية على غرار قضية الهنود الحمر، على مبدأ أن الفلسطينيين هم السكان الأصليين وان أي اتفاق معهم يعطي مبرر لباقي العرب والمسلمين على القبول بهذا الاتفاق، لانهم - أي العرب - "مع ما يريده الفلسطينيون"، "لن يكونوا ملكيين أكثر من الملك".

وكأن المقدسات الاسلامية هي ملكية فلسطينية يقبل العرب والمسلمون التنازل عنها إذا تنازل عنها الفلسطينيون!

 

 

كيف أصبحت سايكس بيكو أمل الأمة؟ - إبراهيم حمامي – 20/02/2016

لا أعرف عربياً واحداً مهما كانت أفكاره أو توجهاته إلا ويلعن سايكس بيكو والحدود المصطنعة والتقسيم الاستعماري وتفرقة العرب أقطاراً متناحرة مع باقة من عبارات التنديد والاستنكار لما حصل في بدايات القرن الماضي...

لكن وبعد مائة عام أصبح أمل العرب الابقاء على سايكس بيكو...

أي على الحدود التي رسمتها اتفاقية سايكس بيكو...

هذا وبكل أسف حالنا ووضعنا اليوم...

أملنا اليوم بات الحفاظ على:

وحدة الأراضي العراقية

وحدة الأراضي السورية

وحدة الأراضي اليمنية

وحدة الأراضي الليبية

هذه الوحدة المقصودة هي حدود تلك الدول طبقاً لاتفاقية سايكس بيكو...

واهم من يظن أن الأمر يقتصر على هذه الأقطار العربية فالمخطط أكبر وأشمل...

قبل انطلاق الربيع العربي وتحديداً في شهر يونيو/تموز 2006 ومن تل أبيب بالذات أطلقت وزيرة الخارجية الأمريكية في حينها كونداليزا رايس عبارة "الشرق الأوسط الجديد" وبشرّت ب"الفوضى الخلاقة"...

لم تكن فكرة خطرت ببالها أو لمعت في ذهنها، كما أنها لم تكن مصادفة...

في ذات الشهر من العام نفسه أعطى الخبير العسكري الاستراتيجي الأمريكي، رالف بيترس الشرق الأوسط الحدود التي يرى أنها عادلة في مقالة بعنوان " الحدود الدموية.. كيف يمكن رؤية الشرق الأوسط بشكل أفضل" نُشرت في العدد السادس من المجلة العسكرية الأمريكية (Armed Forces Journal) تضمنت خريطة جديدة للمنطقة مفصلة على أساس عرقي ومذهبي...

وعلى الرغم من الادعاء بأن تلك الخريطة (أعلاه) لا تعكس وجهة نظر وزارة الدفاع الأمريكية، إلا أنها تُدرّس الآن في منهج التخطيط الاستراتيجي في كلية ضباط الناتو العليا في روما، بالطبع بعد أن أجازتها الأكاديمية العسكرية الأمريكية التي يعمل بها رالف بيتيرس بعد تقاعده من عمله في مكتب نائب رئيس هيئة الأركان لشؤون الاستخبارات في وزارة الدفاع!

بعدها بعام وفي شهر أيلول/سبتمبر 2007 وفي إطار تفعيل "الشرق الأوسط الجديد" بادر مجلس الشيوخ إلى إصدار قرار غير ملزم، دفع به وعمل على إنجاحه جو بايدن نائب الرئيس أوباما حاليا، يطالب الإدارة الأمريكية بتقسيم العراق إلى ثلاث مناطق اتحادية شيعية وسنية وكردية.

لكن الخارطة أعلاه لم تعد كافية مع انطلاق قطار الثورات العربية في العام 2011 التي خلطت الأوراق، وبدأ فصل جديد من التآمر عليها، وفصل آخر من خرائط التقسيم والتمزيق...

وفي منتصف شهر كانون الأول/ديسمبر من العام 2013، نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» وثيقة سياسية ادَّعت أنها جمعت معلوماتها من خبراء ومؤرخين ومختصّين في شؤون الشرق الأوسط. وكان من الطبيعي أن تثير تلك الوثيقة اهتمام زعماء المنطقة، خصوصاً أنها تحدثت عن «الربيع العربي» كمدخل لتفكيك الشرق الأوسط إلى دويلات إثنية وطائفية وعشائرية.

وقالت الصحيفة إن بلوغ هذه الغاية سيتم عبر سلسلة نزاعات محلية وإقليمية يؤدي عنفها، في النهاية، إلى التخلص من حدود سنة 1916، أي الحدود التي رسمها الديبلوماسي الفرنسي فرانسوا جورج بيكو ونظيره البريطاني مارك سايكس. لهذا، حملت تلك الاتفاقية اسمَيهما كشهادة على سيناريو خضع لرغبة المنتصر في الحرب العالمية الأولى، لا لرغبة سكان البلدان التي رسما حدودها المقتطعة من الإمبراطورية العثمانية المهزومة.

وقد قسمت خريطة ال"نيويورك تايمز" 5 دولة عربية إلى 14 دويلة جديدة لكن الحديث كان عن 18 دولة عربية مرشحة للتقسيم، فماذا تبقى؟

أما اليوم فالحديث بلغ حداً غير مسبوق من التقسيم حتى بات من الصعب معرفة عدد الدويلات المطلوبة...

سوريا وحدها يراد لها أن تصبح 5 دول على الأقل – إن لم يكن أكثر...

فقط تابعوا التصريحات الأخيرة الصادرة من أمريكا وروسيا – وفي نفس اليوم!

السفير الروسي في الامم المتحدة ينتقد تهديد بشار الاسد باستعادة السيطرة على كامل سوريا، نعم هكذا!

جون كيري يهدد بمسح المعارضة السورية عن وجه الأرض إن لم تقبل التفاوض مع النظام

 

كذلك الأمر بالنسبة لليبيا:

قد يقول قائل إن الأمر يتعلق فقط بالدول التي شهدت ثورات على الأنظمة وأن باقي الدول في مأمن...

فقط راجعوا الخرائط لتجدوا أن أول المستهدفين هي السعودية، حليف الولايات المتحدة في المنطقة...

وكذلك مصر التي نشر اقباط المهجر المصريون في العام 2012 خارطة قالوا أنها تستهدف تقسيم مصر (والسودان)...

 

وحتى السودان يراد له أكثر من ذلك!

وبما أن القاصي والداني يدلي بدوله في خرائط التقسيم والتمزيق وكأن الأمر واقع لا محالة والمشكلة فقط في العدد والحدود، فقد نُشرت العام الماضي خريطة أوسع تشمل العالم الاسلامي ونُسبت لبرنارد لويس على الشكل التالي:

ما يهمنا هنا هو:

الحديث عن التقسيم تجاوز مرحلة التنظير ودخل مرحلة الاعداد للتنفيذ

من يتحدث عن الأمر يتحدث عنه وكأنه حتمي والمسألة مسألة وقت

جميع المخططات التي نشرت هي أمريكية الأصل والمنشأ

الثورات العربية لا علاقة لها بالموضوع فالحديث بدأ قبلها ويتجاوز أقطارها

التقسيم المفترض يشمل الأقطار الحليفة تماماً كما يسمل "الدول المارقة" بحسب التصنيف الأمريكي

رغم مرور سنوات على بدء الحديث عن تقسيم العالم العربي لا توجد اي خطوات حقيقية سياسية أو غيرها لإجهاض هذا المخطط

عود على بدء...

ذكرنا في البداية أن أمل الأمة أصبح اليوم الحفاظ على سايكس بيكو بحدودها القائمة...

هل عرفتم لماذا؟

إلى هذا الحد وصلنا أو أوصلونا...

وللأسف بتآمر عربي وأموال عربية يتم تنفيذ المخطط – أو محاولة تنفيذه – تحت حجة أن الثورات العربية هي السبب وأنها مؤامرة...

واهم من يظن أنه في مأمن أو يظن أن ملياراته التي يصرفها دعماً لطاغية هنا أو لتخريب بلد هناك ستحميه...

ما سبق ليس دعوة للتشاؤم أو أوهام أو محض خيال...

وليس ترويجاً لسايكس بيكو أو غيرها...

بل على العكس تماماً...

هو قرع لناقوس الخطر ودعوة للعمل...

تلك أمانيهم...

فما هي أمانينا؟

 


 

تقارير عن "صفقة القرن"

أولاً:

تقرير عامر عبد المنعم كاملاً كما ورد على المعهد المصري للدراسات في 02/04/2018 تحت عنوان " الخاسرون والرابحون في صفقة القرن":

يشهد العالم العربي انتكاسة غير مسبوقة في التعامل مع القضية الفلسطينية، وأصبحنا أمام انقلاب على الثوابت الإسلامية والقومية، وانضمام قيادات الدول الرئيسية في المنطقة للرئيس الأمريكي في تنفيذ الأجندة الإسرائيلية المعروفة باسم صفقة القرن. وكان أول من تحدث عن صفقة القرن كان عبد الفتاح السيسي أثناء زيارته للولايات المتحدة في لقاء مع دونالد ترامب، ولم يكن واضحا في البداية ما هو المقصود بهذه الصفقة ولكن بدأ الجانب الصهيوني والراعي الأمريكي يفصحان شيئا فشيئا عن مضمون هذه الخطة الإسرائيلية.

يطلق مصطلح صفقة القرن على الخطة التي وضعها الجنرال جيورا أيلاند مستشار الأمن القومي الإسرائيلي الأسبق، وتحت أيدينا نسختان من هذه الخطة، صدرت الدراسة الأولى عن معهد واشنطن لدراسة الشرق الأدنى في سبتمبر 2008 بعنوان ”إعادة التفكير في حل الدولتين” وتتكون من 36 صفحة.

وصدرت الدراسة الثانية عن مركز بيجن – السادات للدراسات الاستراتيجية التابع لجامعة بار إيلان الإسرائيلية في عام 2010 بعنوان “بدائل إقليمية لحل الدولتين” وتتكون من 39 صفحة، بها تعديلات على ما صدر في الورقة الأولى مع التوسع في شرح التفاصيل والإغراءات المقدمة للدول المشاركة في الصفقة وصيغة الحل المقترح.

يؤكد جيورا أيلاند فشل الحلول المطروحة للقضية الفلسطينية القائمة على حل الدولتين، واستحالة الوصول إلى تسوية للصراع وفقا للتصورات السابقة، ويرى أن الحل لن يكون إلا بإدخال الدول العربية كضامن وكشريك مستفيد من التسوية.

في مقدمة الدراسة التي أصدرها معهد واشنطن يقول روبرت ساتلوف المدير التنفيذي للمعهد أن المطبخ السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية كان يعتمد في السابق على رئيس تحرير صحيفة هآرتس زئيف شيف الذي كان يوصف بأنه عميد الاستراتيجيين الإسرائيليين ليشرح لهم الرؤية الإسرائيلية والحد الأدنى من متطلبات إسرائيل الأمنية في المفاوضات مع الفلسطينيين، وبعد وفاته في يونيو 2007 بدأوا يعتمدون على جيورا أيلاند باعتباره كبير الاستراتيجيين الإسرائيليين.  

وروبرت ساتلوف هو الذي توجه إلى الرياض قبل ساعات من صدور قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ديسمبر 2017 بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف رسميا بأنها عاصمة لـ” إسرائيل”، وهو أهم قرار في صفقة القرن، واصطحب ساتلوف معه إلى الرياض وفدا مكونا من 50 باحثٍا أمريكيٍا لرصد رد الفعل السعودي تجاه القرار، وكتب مقالا في جريدة فورين بوليسي عبر فيه عن دهشته من تجاهل الأمير محمد بن سلمان للقرار والتحدث عن “المستقبل الواعد الذي ينتظر العلاقات السعودية الإسرائيلية بعد التوصل للسلام”.

ملخص ما كتبه ساتلوف عن رد الفعل السعودي على قرار ترامب “أن كل الذين تنبّأوا بردّ فعلٍ كارثي من العرب والمسلمين على الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل – كموجات من التظاهرات المعادية للأمريكيين، وأعمال عنف عارمة ضد المواطنين الأمريكيين والمؤسسات والمصالح الأمريكية، فضلاً عن انتهاء النفوذ الأمريكي في المنطقة بشكل نهائي وقاطع – كانوا على خطأ تماماً. فردود فعل العرب المهمّين – أي حلفاء أمريكا – كانت عموماً رصينة ومدروسة وناضجة. وخير دليل على ذلك هو موطن الإسلام، المملكة العربية السعودية”.

أولا: جيورا أيلاند ـ سيرة ومسيرة

انضم للجيش الإسرائيلي في عام 1970 وعمل في كتيبة لواء المظليين 890، وفي حرب أكتوبر كان قائد فصيلة في معركة المزرعة الصينية وهي من أشرس المعارك في حرب أكتوبر والتي كانت سببا في الثغرة وتحملت فيها القوات الإسرائيلية خسائر فادحة لفتح الطريق للعبور للضفة الغربية لقناة السويس.

ثم كان قائد عملية عنتيبي في عام 1976؛ وهي عملية إنقاذ الرهائن في طائرة تابعة للخطوط الجوية الفرنسية، خلال رحلة من مطار بن غوريون في تل أبيب إلى باريس، وكان على متنها 248 راكبا والتي هبطت بهم في مطار عنتيبي قرب كمبالا عاصمة أوغندا، وأسفرت العملية عن قتل ضابط الموساد جوناثان نتنياهو شقيق بنيامين نتنياهو، بالإضافة إلى قتل 45 جنديا أوغنديا، وأصيب 5 من عناصر الكوماندوز الإسرائيلي و3 من الرهائن، وقد جرى أيضا تدمير 11 طائرة مقاتلة من طراز ميغ 17 السوفيتية الصنع كانت في المطار.

وكان كذلك نائب قائد كتيبة الليطاني عام 1978، وقائد الكتيبة 50 المحمولة جوا في حرب لبنان 1982 وقائد لواء المظليين، وبعد حرب لبنان شغل منصب مدير مدرسة ضباط المشاة، وفي عام 1984 أكمل أيلاند دورة متقدمة عن سلاح المشاة في فورت بيننج بجورجيا بالولايات المتحدة وتم تعيينه بعد عودته مديرا للعمليات في سلاح المشاة، في الفترة من 1990 إلى 1992 ترأس مدرسة ضباط الجيش الإسرائيلي، وفي عامي 1992 و 1993 عين قائدا للواء جفعاتي، وفي عام 1993 تم تعيين أيلاند رئيسا لسلاح المشاة، وفي عام 1996 تم تعيينه مديرا لقسم العمليات في قيادة العمليات، في 1999 عين رئيسا لقيادة العمليات برتبة لواء، وشارك في الانسحاب الإسرائيلي من لبنان وإدارة الصراع مع الفلسطينيين (الانتفاضة الثانية)، ثم في عام 2001 تم تعيينه رئيسا لإدارة التخطيط.

وقد شارك في العملية السياسية أثناء عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية وتم اختياره لمرافقة وزير الخارجية شيمون بيريز في المباحثات مع ياسر عرفات، ومثل القوات الأمنية الإسرائيلية في المباحثات مع الولايات المتحدة والفلسطينيين، وفي عام 2003 مع انتهاء فترة خدمته في إدارة التخطيط رفض أن يكون ملحقا عسكريا لـ “إسرائيل” في واشنطن وتقاعد من الخدمة في الجيش بعد 33 عاما من الخدمة، واختاره شارون في 2004 رئيسا لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي، وشارك في صياغة خطة فك الارتباط مع غزة بالتشاور مع مستشارين أمريكيين من بينهم إليوت إبرامز (مستشار الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأمريكي) ووضع البرنامج الزمني لها، وتبنت الحكومة الإسرائيلية خطة أيلاند، وفي 2006 قرر رئيس الأركان دان هالوتس تعيين أيلاند رئيسا للجنة الخبراء التي تولت التحقيق في واقعة القبض على الجندي جلعاد شاليط الذي أسرته حماس في قطاع غزة، وبعد تقاعده عمل كبيرا للباحثين في معهد دراسات الأمن القومي في إسرائيل  .

وفي في 2007 أسس أيلاند شركة خاصة للاستشارات وتقديم المعاونة لشركات التصنيع العسكري الإسرائيلية وتقديم النصائح للحكومات والشركات متعددة الجنسيات، وتقديم المشورة في قضايا التحكيم الدولي.

وفي عام 2010 تم اختيار أيلاند رئيسا للجنة تقييم الهجوم الإسرائيلي على قافلة أسطول الحرية في 31 مايو 2010 وهي العملية التي داهمت فيها قوات الاحتلال سفنا مدنية توجهت لكسر الحصار عن غزة في المياه الدولية وتم اقتياد السفن بالقوة إلى ميناء أشدود، ومن بينها السفينة التركية مافي مرمرة، التي استشهد فيها 9 مدنيين أتراك كانوا على متنها، فيما أصيب 56 شخصًا من النشطاء توفي أحدهم فيما بعد. ورفع أيلاند التقرير لرئيس الأركان غابي أشكنازي في 12 يوليو 2010 ووجه فيه بعض الانتقادات لخطة الهجوم ولكنه وصف الجنود بالبطولة والشجاعة!

ثانيا: فشل حل الدولتين

تؤكد رؤية جيورا أيلاند فشل حل الدولتين الذي طرحه كلنتون عام 2000 وأعاد طرحه جورج بوش وتمسك به باراك أوباما، وعدم إمكانية الوصول إلى حل نهائي لتغير العوامل التي ساعدت على إبرام اتفاقيات أوسلو في 1993 فالظروف لم تعد مواتية للتسوية، فالقيادة الإسرائيلية اليمينية غير مستعدة للقبول بما كان مطروحا في السابق، والقيادة الفلسطينية الحالية تفتقر إلى ما كان يتمتع به ياسر عرفات ولا تستطيع السيطرة على الفصائل المتشددة من فتح، والأهم أن حماس أصبحت مخيفة، كما أن الولايات المتحدة لم تعد تتمتع بنفس المركز الدولي كقوة عظمى على النحو الذي كان عام 2000.

ويصل أيلاند إلى نتيجة مفادها استحالة التوصل إلى تسوية، ليس فقط لأن أية محاولة محكوم عليها بالفشل ولكن أيضا لأن تكلفة الفشل من المرجح أن تكون مرتفعة، ويدلل على هذه النتيجة بالأسباب التالية:

1بالنسبة للإقليم فإن الأراضي الواقعة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط ​​صغيرة جدا بالنسبة لدولتين قابلتين للحياة.

2بالنسبة للمستوطنات فإن أي اتفاق إسرائيلي – فلسطيني يقضي بإخلاء عدد يصل إلى مائة ألف إسرائيلي من ديارهم. وتتجاوز هذه المهمة القدرة السياسية لأي حكومة إسرائيلية. وتجدر الإشارة إلى أنه من بين المستوطنات التي سيتعين تفكيكها عوفرا وبيت إيل وشيلو وكريات أربع، وهي مستوطنات لها أهمية دينية وتاريخية، بالإضافة إلى ذلك فإن التكلفة المباشرة لهذا الإجلاء ستكون أكثر من 30 مليار دولار، وهي تكلفة باهظة لا يتحملها الاقتصاد الإسرائيلي.

3بالنسبة للأمن فإن الانسحاب من 97% من الضفة الغربية سيخلق وضعا أكثر خطورة لن تكون فيه إسرائيل قادرة على الدفاع عن حدودها، ولم يعد من المقبول في إسرائيل تقديم تنازلات مؤلمة وتقبل المخاطر الأمنية.

4- لعدم وجود شريك فلسطيني موثوق به وقوي فإنه من المرجح أن يؤدي الاتفاق الذي تتخلى فيه إسرائيل عن الأراضي الحيوية إلى سقوط الضفة الغربية تحت سيطرة حماس كما حدث في غزة، وأصبح المزيد من الإسرائيليين يعتقدون أن الانسحاب من الضفة الغربية – سواء بعد اتفاق مع السلطة الفلسطينية أو من طرف واحد – سيفتح الباب أمام سيطرة حماس، ودرجة الاستعداد للمخاطرة في هذا الصدد أقل بكثير مما كانت عليه في عام 2000.

5- بخصوص القدس، فحتى لو كان من الممكن الموافقة على تقسيم المدينة المقدسة بأن تصبح الأحياء العربية جزءا من الدولة الفلسطينية، فإن إسرائيل لن تتخلى عن السيادة الكاملة على جبل الهيكل (المسجد الأقصى)، ولن يقبل الفلسطينيون ذلك.

6أما قضية اللاجئين فلن يتخلى الفلسطينيون عن حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم، حتى لو قدموا تنازلات متعلقة بعدد الأشخاص الذين سيمارسون هذا الحق، ولا يمكن لإسرائيل أن تعترف بهذا الحق.

ثالثا: فلسفة الحل متعدد الأطراف

محور الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة هو الزج بالدول العربية الكبرى في التسوية وتحميلها أعباء الحل وإفلات “إسرائيل” من المسؤولية أمام دول العالم، وتغيير نهج التفاوض بالانتقال من التسوية الثنائية إلى الحل متعدد الأطراف. وخلافا لما حدث في الماضي، حيث كانت المفاوضات تتم على أسس سياسية واستراتيجية، فإن المقبول لكسب المجتمع الدولي إدخال العامل الاقتصادي لجلب عدد أكبر من الأطراف حيث تؤدي هذه المشاركة إلى ضمانات أقوى في التنفيذ والتمسك بالاتفاق.

وهذا النهج الجديد لم يكن مقبولا في السابق بسبب حالة العداء الموجودة في العالم العربي التي لم تكن لتسمح بدخول الدول العربية على الملف وتبني الطرح الإسرائيلي والظهور كطرف ضد الفلسطينيين وخاصة مصر والسعودية، حتى أن ممثلا هاما في الإدارة الأميركية عندما عرضت عليه الخطة الإسرائيلية قال لهم: “انتظروا خليفة مبارك”.

وقد كشف مبارك جانبا من هذه الضغوط في تسجيل صوتي بثه على الإنترنت وقال إنه رفض طلب نتنياهو إزاحة قطاع غزة إلى سيناء وتوطين الفلسطينيين في الأراضي المصرية.

وجاء إعلان مبارك ردا على الوثائق التي نشرها موقعBBC   وذكر فيها أن موضوع توطين الفلسطينيين في سيناء عرض على مبارك في اجتماعات رسمية مع مارجريت تاتشر وأنه قد وافق! وتشير الوثائق إلى أن مبارك كشف عن الطلب الأمريكي وموقفه منه خلال مباحثاته مع رئيسة الوزراء البريطانية أثناء زيارته إلى لندن في طريق عودته من واشنطن في شهر فبراير عام 1983 حيث التقى بالرئيس الأمريكي رونالد ريغان.

هذه الوثائق التي لم ينفها مبارك وإن كان قد نفى قبوله للطلب الإسرائيلي تؤكد أن فكرة تحميل الدول العربية مسئولية حل القضية الفلسطينية لصالح “إسرائيل” مطروحة منذ عقود وأن صفقة القرن مجرد تتويج لتخطيط قديم وليست أفكارا حديثة.

رابعا: مضمون صفقة القرن

تعتبر دراسة أيلاند التي طبعت في 2010 هي الطبعة الأخيرة المعلنة بعد إدخال تعديلات طفيفة متعلقة بالمساحة المطلوب تبادلها مع مصر بزيادتها من 600 كم إلى 720 كم وحذف بنود من الوثيقة السابقة أهمها رفع اسم السعودية من موضوع تبادل الأراضي مع الأردن، ويبدو هذا لحساسية العلاقة التاريخية بين الأسرتين الحاكمتين في الرياض وعمان.

بغض النظر عن الصياغات الدبلوماسية وكل التفاصيل والإغراءات والأمنيات فإن ملخص الصفقة هو ضم الضفة الغربية بدون القدس والمستوطنات إلى الأردن، وتسليم أهل غزة إلى مصر للسيطرة عليهم وإنهاء الوجود الفلسطيني في فلسطين التاريخية، ووضع نهاية لفكرة الدولة الفلسطينية، وفيما يلي نص المقترحات التي يطرحها جيورا أيلاند:

أ – كونفدرالية أردنية – فلسطينية

هذا الحل يعتمد على انشاء مملكة أردنية مكونة من ثلاث ولايات: الضفة الشرقية والضفة الغربية وغزة، على غرار الولايات المتحدة الأمريكية. يكون لكل ولاية استقلال كامل في المسائل الداخلية مثل الميزانية ومؤسسات الحكم المحلي والقوانين وقوة الشرطة المحلية ورموز الاستقلال. ولكن، مثل بنسلفانيا ونيوجيرسي، لن يكون لهذه الولايات أي مسئولية عن السياسة الخارجية أو الجيش. في حالتنا سيكون الأمر مثل الولايات المتحدة، أي تكون المسئولية للحكومة الاتحادية في عمان.

وبما أن حماس حاليا تحكم غزة فسيكون ممكنا أن يطبق هذا الحل على مرحلتين: أولا في الضفة الغربية وثانيا في غزة عندما تكون الظروف مواتية. ستقوم إسرائيل بالتفاوض السياسي بخصوص هذا الحل مع وفد أردني – فلسطيني مشترك، كما كان مفترضا أن يحدث في إطار مؤتمر مدريد 1991.

فوائد الفيدرالية للفلسطينيين

هذه الفوائد ستكون للفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية ولا يؤيدون حماس، وهي أربع:

 

 فائدة أكثر قابلية للتحقيق حيث أن هذا الحل سيمكن لإسرائيل تطبيقه. وسيفضل كثير من الفلسطينيين هذا الحل لأنهم يريدون نهاية للاحتلال الإسرائيلي بدلا من انتظار السلام الذي سيأتي به حل السلام الإسرائيلي – الفلسطيني والذي هو قليل الاحتمال.

 نفس هؤلاء الناس يفهمون أنه لو قامت دولة فلسطينية مستقلة (في إطار حل الدولتين) فإن حماس ستحكمها. وكثير من هؤلاء الناس يفضلون العيش تحت حكم الأردن بدلا من المعاناة تحت نظام حماس وطغيانها الديني، كما هو مشاهد الآن في غزة.

 إن حلا إسرائيليا – فلسطينيا مستقلا يتطلب تنازلات مستحيلة من الفلسطينيين، مثل التنازل عن حق العودة والبحث عن اتفاق لإنهاء الصراع. ومن المعروف أنه يسهل تقاسم هذا العبء مع طرف سياسي عربي (الأردن).

 يفهم الفلسطينيون أيضا أنه تحت حل الدولتين سيصبحون مواطني دولة صغيرة. ولن تكون هذه الدولة قابلة للحياة وستكون ذات أمن محدود (مثلا ستضطر إلى التنازل عن سيادتها على مجالها الجوي). ومن المفضل أن يكون المرء مواطنا في دولة كبيرة محترمة يكون فيها الفلسطينيون هم الأغلبية السكانية.

فوائد الفيدرالية للأردن

من المعلوم في الأردن أنه لو أنشئت دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية فإن احتمال سقوطها في أيدي حماس كبير، كما حدث في غزة. وهذا الوضع، حيث تكون هناك دولة فلسطينية مجاورة يحكمها الإخوان المسلمون، بأخذ الحدود الطويلة بين الدولتين في الاعتبار والتهديد القائم الذي يمثله الإخوان المسلمون في الأردن، يوحي بالخطر على المملكة الهاشمية. والسبيل الوحيد لضمان بقاء النظام في الشرق الأوسط يكون عن طريق التحكم الفعال في الأمن. وبالتالي فإن الطريق الوحيد لمنع عدم الاستقرار في الأردن، والذي يمكن أن يغذيه وجود هيمنة لحماس على الضفة الغربية، يكون من خلال التحكم العسكري الأردني في هذه الأراضي.

 

فوائد الفيدرالية لإسرائيل

من وجهة نظر إسرائيل هذا الحل له أربعة فوائد واضحة على حل الدولتين.

هناك فرق في “الرواية”. لن يكون النزاع بين الشعب الفلسطيني والاحتلال الإسرائيلي، ولكن سيكون النزاع (على الأراضي) بين دولتين، الأردن وإسرائيل. إن الضغط الدولي الحالي على إسرائيل والذي يطالبها بالتنازل في كل الخطوات سيتغير.

سيتمكن الأردن من التفاوض حول موضوعات أكثر، مثل الأرض. أما الفلسطينيون فلن يمكنهم التنازل عن حدود 1967. إن إسرائيل الصغيرة المساحة تحتاج إلى أرض أكثر، ولكن هذا سيجعل الدولة الفلسطينية أصغر. ومن “الظلم” أن تطلب من الطرف الأضعف والأصغر أن يتنازل. ولكن هذا الأمر يسهل عندما يكون شريك المفاوضات هو المملكة الأردنية ذات الحجم الكبير. وتنطبق هذه النقطة أيضا على الترتيبات الأمنية. في أي اتفاق ستطلب إسرائيل أن تكون الضفة الغربية منزوعة السلاح. وفي حالة الدولة الفلسطينية (حل الدولتين) سيعني هذا منع الأسلحة الثقيلة. ومثل هذا الطلب سيكون قبوله صعبا من أناس يبحثون عن الاستقلال. وفي سياق اتفاقية إسرائيلية – أردنية، سيكون مثل هذا الطلب أكثر قبولا. إن كل ما هو مطلوب في تلك الحالة من الأردن أن يتنازل عن نشر قوات في منطقة محددة (الضفة الغربية). وسيكون هذا مقبولا أكثر من الأردنيين مثلما قبلت مصر الطلب الإسرائيلي بعدم نشر قوات كبيرة في سيناء.

مسألة الثقة. في حالة حل الدولتين ستضطر إسرائيل إلى التنازل عن موارد محسوسة في مقابل الوعد الفلسطيني بأن يُحافظَ على الهدوء الأمني. وتخشى إسرائيل، لأسباب مقبولة، من المخاطر المضاعفة الناشئة عن هذه الحالة حيث تتنازل عن أراض بينما لا تحصل على الأمن المطلوب مقابل ذلك. إن خطر ألا تكون الحكومة الفلسطينية قادرة على الوفاء بتعهداتها أو راغبة في ذلك يبدو عظيما وحقيقيا جدا. ويبدو ذلك مختلفا في حالة اتفاقية سلام بين الأردن وإسرائيل. بالرغم من أن إسرائيل هنا، أيضا، مطالبة بتحمل المخاطر، والتي هي مشابهة للتي تحملتها سنة 1979 عندما وقعت اتفاقية السلام مع مصر وتنازلت عن كامل سيناء.

لإسرائيل سبب مقنع في خوفها من أن إنشاء دولة فلسطينية مستقلة، بما سيكون لها من ضعف طبيعي، سيضع عبئا إضافيا على عاتق إسرائيل. وليس من الواضح كيف تكون المنطقة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط كافية لقيام دولتين مستقلتين، وبالتالي فإن مشاكل الدولة المنتظرة (لعدم وجود البنية التحتية، وللانقسام بين الضفة الغربية وغزة، إلخ..) ستقع على عاتق إسرائيل. وعلاوة على ذلك فإن المجتمع الدولي سيقول إن على إسرائيل التزاما أخلاقيا أن تساعد الدولة الوليدة بعد سنين عديدة من الاحتلال. وفي الحقيقة فإن تحمل هذه المسئولية سيكون من مصلحة إسرائيل حيث أنه لا يجوز أن تترك الدولة الوليدة في يأس وفقر وغضب. ولن يكون الحال هكذا إذا أصبحت الضفة الغربية جزءا من المملكة الأردنية “الكبرى”.

فوائد الفيدرالية للمجتمع الدولي

إن إنشاء دولة فلسطينية، مستقلة طبقا لحل الدولتين، سيترك العديد من المشاكل بين يدي المجتمع الدولي. ستعاني الدولة الوليدة من مشكلة صعوبة تحقيق الاستقلال الاقتصادي، ستكون مقسمة بين منطقتين (غزة والضفة الغربية)، وستتحمل مشكلة اللاجئين. وفوق كل ذلك فإن المشاكل بين إسرائيل وفلسطين لن تختفي فجأة بمجرد توقيع الاتفاقية. إن المجتمع الدولي، وخصوصا الولايات المتحدة، سيكون مجبرا على استثمار جهود أكبر لتطبيق بنود الاتفاقية بنجاح. وسيكون الأمر مختلفا عندما يصبح حل المشكلة تتقاسمه دولتان مستقرتان، إسرائيل والأردن. وإذا تم التوصل إلى اتفاقية، فإن تطبيقها سيصبح تحديا لهاتين الدولتين، بينما يصبح العبء أخف كثيرا على المجتمع الدولي، مثل ما حدث بعد توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل بعد 1979.

ب – الحل الإقليمي وتبادل الأراضي

أهم نقطة في هذا الباب أن الدول العربية يمكنها أن تتنازل لإسرائيل، بينما يظل الفلسطينيون هادئين. إنه من الصعب ألا نرى بموضوعية العوار المتضمَّن في مقترح حل الدولتين. فمن ناحية يجب على إسرائيل وفلسطين أن توجدا في شريحة ضيقة ومزدحمة بالسكان من الأرض، ومن ناحية أخرى فإن هاتين الدولتين ستكونان محاطتين بدول ذات مساحات هائلة من الأرض وعدد قليل من السكان (الأردن ومصر والسعودية). والشيء الذي تتمتع به هذه الدول هو وفرة الشيء الذي تحتاجه بشدة إسرائيل وفلسطين: أرض أكثر.

ومن الواضح أن تنازلا هامشيا عن أرض من جانب هذه الدول سيحسن بطريقة هائلة من نصيب كل من إسرائيل ودولة فلسطين. ومن المدهش أن هناك من سيستفيدون أكثر من إسرائيل ودولة فلسطين: مصر والأردن، وفيما يلي سنشرح كيف يمكن مع “تكبير الكعكة” أن تخرج كل الأطراف بمكاسب من هذا الحل الإقليمي.

النقاط الرئيسة للمقترح:

 تقوم مصر بالتنازل لغزة عن مساحة 720 كم2. وهذه المساحة تُشكل مستطيلا ذا ضلع طوله 24 كم على ساحل المتوسط من رفح شرقا في اتجاه الغرب إلى العريش وضلعه الآخر من الشمال إلى الجنوب بطول 30 كم بدءا من كرم أبو سالم في اتجاه الجنوب على طول الحدود المصرية الإسرائيلية. هذه الاضافة التي تبلغ مساحتها 720 كم2 ستضاعف مساحة غزة ثلاث مرات، حيث إن مساحتها الحالية هي 365 كم2.

 هذه المساحة الجديدة (720 كم2) تساوي حوالي 12% من أراضي الضفة الغربية والتي سيتنازل عنها الفلسطينيون للإسرائيليين.

 في مقابل الأرض التي ستتنازل عنها مصر للفلسطينيين، فإن مصر ستأخذ من إسرائيل مساحة قد تصل إلى 720 كم2 في منطقة فيران جنوب غرب صحراء النقب، وستقوم إسرائيل بنقلها إلى السيادة المصرية، ولكن بالنظر إلى التعويضات الأخرى التي ستحصل عليها مصر فقد تكون هذه المساحة أصغر من ذلك.

الفوائد للفلسطينيين

إن قطاع غزة بحجمه الحالي لا يمكنه مواصلة البقاء لأنه لا يتمتع بالحد الأدنى من المساحة التي تمكنه من استدامة اقتصاد مستقر، حيث يعيش في غزة اليوم 1.5 مليون إنسان، وفي العام 2020 سيكون هناك عدد يقدر بحوالي 2.5 مليون إنسان. ولا يمكن بناء ميناء بحجم مناسب في غزة لسببين: الأول أنه لا توجد مساحة كافية والثاني أن قربه من إسرائيل سيضر بالساحل الإسرائيلي، كما أن مقارنة غزة بسنغافورة خطأ كبير فالاقتصاد في سنغافورة قائم على التجارة العالمية والصيرفة المتقدمة والصناعة ذات التقانة المتقدمة، بينما اقتصاد غزة قائم على الزراعة والتقانة البدائية. وفي سنغافورة حجم الأرض ليس عاملا مهما لبقائها، بينما حجم غزة لا يساعد على بقائها.

إن توسيع مساحة غزة طبقا للمبادئ المطروحة يعطي ساحلها زيادة قدرها 24 كم. وهذا يترتب عليه زيادة قدرها 14.4 كم في المياه الدولية مما يزيد بطريقة مناسبة فرص عثورها على آبار غاز طبيعي في هذه المساحة.

وزيادة مساحة غزة إلى 720 كم2 سيمكنها من إنشاء ميناء كبير في أقصى الغرب بعيدا عن الأراضي الإسرائيلية كما سيمكنها أيضا من إنشاء مطار دولي على بعد يتراوح بين 20 كم إلى 25 كم من الحدود الإسرائيلية. أهم من ذلك أنه يمكن إنشاء مدينة جديدة تستوعب مليونا من الفلسطينيين. ويمكن لهذه المدينة أن تستوعب اللاجئين الفلسطينيين من دول أخرى، كما يمكنها أن تشكل منطقة تنمية طبيعية ليست لغزة فقط.

وفي مقابل تحويل غزة إلى منطقة جاذبة وتفاعلية بفرص حقيقية في أن تصبح مركزا تجاريا عالميا في المنطقة، فإن الفلسطينيين يجب أن يكونوا مستعدين لعملية التنازل عن الأرض المطلوبة في الضفة الغربية حيث المستوطنات الإسرائيلية والمنشئات العسكرية الموجودة منذ عقود. وهذا التنازل المؤلم لا يمكن مقارنته بما هو معروض من المكاسب لغزة.

الفوائد لمصر:

في مقابل موافقتها على أن تعطي للفلسطينيين – وليس للإسرائيليين – مساحة تساوي 720 كم2 من أراضيها المقدسة، فإن مصر ستجني عدة فوائد:

 أرض مقابل أرض، حيث ستأخذ مصر من إسرائيل مساحة في جنوب غرب النقب حدها الأقصى 720 كم2، ولكن هناك مزايا إضافية يمكن أن تفاوض من أجلها.

 إن إسرائيل ستسمح بشق نفق يصل مصر بالأردن. والنفق المقترح طوله 10 كم من الشرق إلى الغرب (وسيكون موقعه شمال إيلات بحوالي 5 كم) وسيكون هذا النفق تحت السيادة المصرية الكاملة، وستكون الحركة في هذا النفق بين مصر والأردن وكذلك بين مصر وكل من السعودية والعراق دون تصريح من إسرائيل.

إنشاء خط للسكة الحديدية وطريق بري دولي وأنبوب لنقل النفط (وسيكون كل ذلك على الجانب المصري من خط الحدود الجديد بين مصر وإسرائيل). وستمر هذه الوسائل الثلاث للنقل خلال النفق إلى الأردن حيث تتفرع بعدها إلى العراق في الشمال الشرقي وإلى العربية السعودية ودول الخليج في الجنوب.

بينما أفادت اتفاقية السلام المصرية – الإسرائيلية مصر بطريقة كبيرة إلا أنها اضطرتها إلى قبول قيود على نشر قواتها العسكرية في سيناء. وكجزء من تعويض مصر عن هذا فإن إسرائيل ستوافق على بعض التعديلات في ملحق تلك الاتفاقية. وهذا الأمر الحيوي سيمكن القيادة المصرية من أن تعلن لشعبها في الداخل أنها استطاعت – بعد 30 سنة من الاتفاقية – زيادة عدد قواتها مقابل تنازلها عن 1% من مساحة سيناء، مما سيمكن مصر من ممارسة سيادتها على الـ 99% الباقية من سيناء.

إن الاتفاق الجديد سيضع نهاية للصراع الذي دام مائة عام بين إسرائيل والعرب. ولن يكون هناك شك في أن هذه الاتفاقية تم الوصول إليها أولا وقبل كل شيء بفضل السيسي، وسيكون الطريق ممهدا للدفع بحصول السيسي على جائزة نوبل للسلام في مؤتمر دولي يعقد في القاهرة.

الفوائد للأردن

سيجني الأردن أعظم الفوائد من هذه التسوية دونما حاجة لأن يدفع أي ثمن (ونعترف بأنه من الممكن ألا تكون إزالة الفاصل الذي تمثله إسرائيل حاليا بين الأردن ومصر عملا مرحبا به من الأردن)، فهذه الخطة تمكن الأردن من فائدتين عظيمتين:

 إنشاء شبكة طرق وخط سكة حديدية وأنبوب للنفط سيربط الميناء العالمي في غزة الكبرى، عن طريق النفق بين الأردن ومصر، بالخليج. وسيتمكن الأردن بهذه الطريقة من الوصول الحر إلى البحر المتوسط (عن طريق النفق)، وبالتالي إلى أوربا. وعلاوة على ذلك فإن شرق النفق سيكون “عنق الزجاجة” الذي من خلاله ستمر البضائع من أوربا إلى العراق والخليج، مما يترتب عليه فوائد اقتصادية للأردن.

 يشعر الأردن بالقلق من المشاكل السكانية؛ وذلك لأن به أغلبية متزايدة من المواطنين الفلسطينيين. وستزداد حدة هذه الظاهرة طالما أن الحياة في الأردن أكثر راحة من الحياة في غزة ومصر. وفي اللحظة التي ستنشأ فيها “غزة الكبرى”، ومعها المدينة الجديدة والميناء والمطار، سيترتب على ذلك خلق فرص توظيف عديدة تؤدي إلى قلب المعادلة (الهجرة إلى الأردن). إن الفلسطينيين من أصول غزية (70 ألفا منهم في الأردن) سيفضلون “العودة” إلى ديارهم، كما سيفعل ذلك بعض اللاجئين الذين يعيشون الآن في الضفة الغربية.

الفوائد لإسرائيل

ستبقى الأرض في “يهودا والسامرة” في يد إسرائيل (12% منها) وهذه مساحة أكبر مما يمكن الحصول عليه في حل الدولتين. وهذه المساحة هي النسبة التي حددها إيهود باراك لضمان مصلحة إسرائيل عندما ذهب إلى كامب ديفيد سنة 2000. عندما تم وضع علامات الجدار العازل تم ضم حوالي 12.5% من الضفة الغربية لأرض إسرائيل. ولقد كان المنطق مشابها (منذ ذلك الوقت، وتحت ضغط المحكمة العليا الاسرائيلية، تم تحريك الجدار غربا، واليوم يقع 8% فقط من الضفة الغربية غرب الجدار). وهذه الأرض المذكورة – طبقا للحل المقترح الآن – ستخفض عدد الإسرائيليين المضطرين إلى ترك منازلهم في المستوطنات من 100 ألف إلى 30 ألف حتى يمكنهم الحفاظ على أماكن ذات أهمية دينية وتاريخية (مثل عفرا وكريات أربع). وسيمكن ذلك أيضا من بقاء “إيل” ضمن الأرض الإسرائيلية طبقا لشروط مريحة.

 إن إعادة توزيع الأرض بين غزة والضفة الغربية بطريقة أكثر توازنا سيعطي الدولة الفلسطينية فرصة أفضل للبقاء، وبالتالي يزيد من فرص الوصول إلى تسوية مستقرة.

 إن انخراط الدول العربية، وخصوصا الأردن ومصر، في الحل المطلوب أمر مهم وملزم. وهذا الانخراط سيؤدي إلى الحصول على ضمانات أقوى للمحافظة على هذه الاتفاقية.

 إن هذه التسوية الإقليمية لا تستبعد الحاجة إلى وجود ممر آمن بين غزة والضفة الغربية ولكنها، أي التسوية الإقليمية، ستقلل من أهمية وكثافة الحركة على هذا الممر، ولكن بقية الحركة للبضائع والأشخاص بين غزة والعالم العربي ستتحرك على هذا الطريق الجديد.

الفوائد الاقتصادية للجميع

إن غالبية تجارة الدول المعنية (العراق والعربية السعودية ودول الخليج) مع أوربا يتم نقلها بالسفن التي تمر في قناة السويس أو، بسبب حجمها، تمر حول أفريقيا. وبرغم أن هذين الطريقين ليسا مناسبين اقتصاديا كشبكة نقل، فليس هناك مفر من استخدامهما.

إذا تم إنشاء ميناء حديث، بتقانة مشابهة لما هو موجود في سنغافورة، على ساحل المتوسط، وبنيت شبكة من الطرق المناسبة وخط للسكة الحديدية يقود إلى الشرق والجنوب، وأنبوب للنفط، ستصبح التجارة ذات عائد أكبر بينما تقل نفقاتها كثيرا.

إن تمويل مثل هذا المشروع سيأتي، ليس فقط من الدول التي تُبنى في أرضها هذه البنية التحتية، ولكن أيضا من الدول الغربية. في الوقت الحاضر يدفع العالم ملايين الدولارات لإعانة الفلسطينيين للبقاء على قيد الحياة؛ وطبقا لهذه الخطة الجديدة، سيتم توفير هذه الأموال لتستخدم في الاستثمار بدلا من الاستهلاك، الاستثمار الذي سيدر عائدا اقتصاديا خلال عدد قليل من السنين. إن هذا الاندفاع الاقتصادي سيفيد مصر والأردن مباشرة وسيؤتي أكله عند باقي الدول بطريقة غير مباشرة.

على العكس مما كان في الماضي عندما كان يتم طرح حلول للمشاكل العالمية، كان هذا يتم تنفيذه بطريقة ثنائية على أسس سياسية – استراتيجية، فإن المجتمع الدولي اليوم يفضل حلولا ذات أطراف متعددة على أسس اقتصادية. إن إنشاء الاتحاد الأوربي هو أفضل مثال على هذا الأمر. إن الحل الإقليمي المقترح يحقق بالضبط أساسيات هذه الأمر.

إن هذا الحل سيمكن الفلسطينيين من فرص حقيقية ليصبحوا “سنغافورة الشرق الأوسط”. ولا يمكن تحقيق مثل هذا الإنجاز في قطاع غزة الضيق حاليًا.

خامسا: الدور السعودي في صفقة القرن

تلعب المملكة العربية السعودية دورا محوريا في صفقة القرن، بما يتوافق مع التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، وكانت بداية الانخراط السعودي العلني من خلال المبادرة العربية المنسوبة للملك عبد الله، والتي تمثل نقلة في ملف الصراع بدخول العرب كضامنين للاتفاق النهائي.

تجاوبت المبادرة العربية مع مقترحات كلينتون وبوش وأوباما التي تقوم على حل الدولتين، ومع أن المفاوضات تجمدت بسبب الرفض الإسرائيلي فإنها حققت لـ”إسرائيل” مكسبا استراتيجيا باستبعاد الحل الثنائي لصالح الحل الإقليمي ودخول العرب بشكل جماعي في التسوية، وقد أشار أيلاند إلى أهمية المبادرة العربية في عملية “التعبئة والتغليف” للتمهيد للحل المتعدد الأطراف أمام المجتمع الدولي، ووضع الأساس للحل الإقليمي.

وقد تطور الدور السعودي إلى ما هو أبعد وهو تحمل التكلفة المادية للتنفيذ، ودخلت المملكة كممول لصفقة القرن عقب تولي الملك سلمان، حيث استغل الإسرائيليون طموح الأمير محمد بن سلمان ورغبته في الصعود لكرسي الحكم في ظل أبيه، وانتهزوا فرصة احتياجه إلى الدعم الخارجي لتحقيق ما خططوا له منذ نصف قرن.

اندفع محمد بن سلمان لتنفيذ الأجندة الإسرائيلية المدعومة من دونالد ترامب، فقام بخطوات متسارعة قطع بها شوطا كبيرا في صفقة القرن نقلت الخطة من الورق إلى الأرض بالمال السعودي السخي، فقام بالآتي:

أ- شراء جزيرتي تيران وصنافير لتدويل مضيق تيران

كان قرار بيع جزيرتي تيران وصنافير للمملكة هو أخطر ما تم التوصل إليه من إجراءات لصالح الكيان الصهيوني منذ احتلال فلسطين في 1948، فبيع الجزيرتين يؤدي إلى تدويل مضيق تيران وإنهاء السيطرة المصرية عليه، وهو الذي كان سببا في حروب مصر مع الإسرائيليين.

 

ب- اتفاقية المنطقة الحرة بشمال سيناء

لم تكن زيارة الملك سلمان إلى مصر في إبريل 2016 من أجل السيطرة على تيران وصنافير فقط، وإنما لتوقيع الاتفاقات المكملة للهيمنة الإسرائيلية، وقد رفض الملك سلمان النزول من الطائرة إلا بعد موافقة عبد الفتاح السيسي على التوقيع على الاتفاقات وقد كشف مكرم محمد أحمد رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام الضغوط التي مارستها السعودية، وقال إن الملك سلمان رفض النزول من الطائرة إلا بعد التأكد من توقيع السيسي على الصفقة ورفض الانتظار لحين تسليم القوات الإسرائيلية الجزيرتين.

وقع الملك سلمان 23 اتفاقية تعاون، من ضمنها اتفاقية لإنشاء المنطقة الحرة في شمال سيناء، والغريب أن هذه الاتفاقية يتم التعتيم عليها وعدم الإفصاح عن مضمونها، ولم تنشر تفاصيلها الكاملة في الإعلام المصري. وتم عرض عناوين الاتفاقات وليس النص الكامل للموافقة عليها في البرلمان، وأيضا لم تنشر الاتفاقية في الجريدة الرسمية رغم ما يقتضيه القانون المصري.

وصاحب التعتيم المتعمد في مصر تعتيم موازي في السعودية إلا أن الصحف والفضائيات في المملكة نشرت عناوين الاتفاقات من باب إظهار إنجازات الزيارة وتم حذف بعضها فيما بعد من الأرشيف الإلكتروني، وما نشر يكشف ما كان غامضا.

وتشير عناوين مشروعات المنطقة الحرة إلى شروع محمد بن سلمان في تنفيذ البنود الواردة في صفقة القرن على النحو التالي: إنشاء وبناء الميناء البحري، إنشاء المطار في المنطقة المحددة في تبادل الأراضي، تشييد الطرق في المنطقة التي ستكون غزة الكبرى، وتحمل تكلفة شق النفق تحت فلسطين المحتلة بطرقه الثلاثة (البري والسكة الحديد وأنبوب النفط) لربط دول الخليج بالمتوسط، وتتحمل السعودية تكلفة شق ترعة المياة العذبة التي ستنقل مياه النيل (تم بناء سحارة سرابيوم تحت القناة لنقل مياه النيل إلى الكيان الصهيوني)، وتشييد أكبر محطة لتنقية مياه الصرف الصحي لتوفير المياه للمنطقة الحرة.

وقد أشار الأمير محمد بن سلمان في حوار مع شبكة بلومبيرغ في أكتوبر 2017 إلى التمويل السعودي للمشروعات المطلوبة في شمال سيناء، وبخاصة الميناء، إلا أنه فال إن الهدف وراء توقيع اتفاقية المنطقة الحرة هو من أجل ربطها بمشروع نيوم، وأكد أن “هذه المنطقة سوف تساعد دبي، والبحرين، وخصوصاً الكويت؛ إذ سوف تصدر الكويت إلى أوروبا بشكل أسرع وأرخص من الآن وذلك عبر أنابيب وسكك حديد منطقة نيوم إلى مصر – شمال سيناء – ثم إلى أوروبا”.  

وفي عرضه لملامح استراتيجية تنمية سيناء قبيل زيارة الأمير محمد بن سلمان للقاهرة في مارس 2018 أشار وزير الإسكان المصري إلى بناء المنطقة الحرة بشمال سيناء والتي تتضمن أهم مشروعين في صفقة القرن وهما الميناء والمطار، وقال أن “المنطقة الحرة تتمتع بقوانين اقتصادية مختلفة تشجع على الاستثمار، ويتم إنشاء مطار دولي محوري بمنطقة الشرق الأوسط والبحر المتوسط، وميناء تجاري على البحر المتوسط”.

ج- مشروع “نيوم” وإزاحة مصر من خليج العقبة

إن التمويل السعودي في جنوب سيناء لا يقل خطورة من دوره في الشمال، ورغم مشروع النفق الإسرائيلي المطروح فإن السعوديين يطرحون فكرة بناء جسر الملك سلمان، مما يثير الكثير من التساؤلات؛ فهل طرح موضوع الجسر بديلا للنفق الإسرائيلي لرغبة السعوديين في استبعاد الأردن كممر للوصول إلى سيناء ويطمعون في الاستحواذ على الطريق للبحر المتوسط وحدهم؟ لكن هذا السيناريو يواجه التضاريس التي تعوق شق الطريق الثلاثي (أنبوب النفط، السكك الحديدية، الطريق البري) من شرم الشيخ حتى الميناء شمالا حيث سلسلة الجبال، كما أن الجسر المعلق لا يتحمل النقل الثقيل الذي يتحدثون عنه.

أيضا، ربما هناك تعديل على الخطة بالجمع بين المشروعين؛ بأن يكون النفق مخصص لنقل المعادن والمواد الخام والبترول والنقل البري والسكة الحديد، وأن يكون الجسر لخدمة السياح الأجانب في “نيوم” من أجل الترفيه والانتقال إلى جنوب سيناء بحرية. ويحظى مشروع الجسر بالشروط الجديدة بدعم إسرائيلي لأنه ينهي الوجود المصري في هذه المنطقة الاستراتيجية، ويعد غطاءً لعملية السيطرة على شرم الشيخ والمثلث الجنوبي لسيناء.

إن منح السعودية مساحة ألف كيلو متر مربع في جنوب سيناء وضم الضفة الغربية لمضيق تيران ليس له تفسير غير السعي لطرد مصر من مدخل خليج العقبة ومضيق تيران، وعدم الاكتفاء بانتزاع جزيرتي تيران وصنافير، وهو ما يحقق التأمين التام للملاحة الإسرائيلية في خليج العقبة ويبعد التهديد المصري تماما عن المجرى الملاحي.

وهناك نتيجة أخرى لسيطرة السعودية على الشريط الساحلي لضفتي خليج العقبة وهي ربط المثلث الجنوبي الواقع تحت خط العرض 29 الذي يسيطر عليه دير سانت كاترين عن مصر بمشروع “نيوم”، وهذا بداية الفصل لهذه المنطقة وتنفيذ الأطماع الدولية في تقسيم سيناء بأن يكون شمال سيناء لـ”إسرائيل الكبرى” والجنوب لليونان وروسيا لتكون فاتيكان للروم الأرثوذكس.

سادسا: خسائر مصر من صفقة القرن

هذا العرض الإسرائيلي في ظاهره تحقيق مكاسب اقتصادية لمصر من خلال فرض رسوم على نقل البترول والمعادن إلى الغرب من النفق، وتحصيل رسوم على البضائع القادمة من أوربا لدول الخليج، لكن في باطن الصفقة خسائر لا تقدر بمال وكوارث استراتيجية لا نهاية لها، ومن أهم الخسائر ما يلي:

أ- هدم بوابة سيناء الاستراتيجية:

سيناء هي أكثر منطقة في العالم مرت بها جيوش، وعلى أرضها سالت دماء، في حروب يصعب عدها منذ فجر التاريخ، وتؤكد دروس الأزمان الغابرة أن الخطر على مصر يأتي دائما من الشرق، ولهذا لا يخلو كتاب عن الاستراتيجية والحرب من الإشارة إلى أهمية سيناء العسكرية. لكن تظل المنطقة التي تريد “إسرائيل” أن تخليها وتصفي الوجود المصري العسكري والمدني بها هي مفتاح سيناء، وينتج عن تدميرها وتهجير سكانها خسارة عسكرية فادحة، يترتب عليها انكشاف كل سيناء حتى القناة وتهديد قلب مصر.

عن أهمية هذا المربع الذي يتم إخلاؤه والممتد من رفح وحتى العريش يقول المفكر جمال حمدان في كتاب “سيناء في الاستراتيجية والسياسة والجغرافيا” إنه يد المروحة أو ربطة الحزمة أو “زر” سيناء الاستراتيجي لأن فيه تجتمع نهايات محاور سيناء الاستراتيجية الثلاث: المحور الشمالي “القنطرة – رفح” والمحور الأوسط ” الإسماعيلية – أبو عجيلة” والمحور الجنوبي “السويس – القصيمة” ولم يكن غريبا لذلك أن يعتبره العسكريون القاعدة الاستراتيجية الحقيقية للدفاع عن مصر، مثل السير أرتشيبولد مري القائد الإنجليزي في الحرب العالمية الأولى.

ب- إخلاء سيناء من العنصر البشري

يظل العنصر البشري هو العائق أمام أي خطط للتقسيم الجغرافي؛ فلا يمكن فرض حدود سياسية في ظل وجود كثافة سكانية مستقرة، ولا يمكن تهجير ما يقرب من مليوني إنسان في غزة إلى منطقة عامرة بأهلها، ومن هنا فإن المخطط الإسرائيلي يعمل على تهجير المصريين أولا من المنطقة المستهدفة بزعم تهيئتها لسكان غزة الذين يخطط المتورطون في الصفقة لإزاحتهم إلى الموطن الجديد!

إن تبادل الأراضي في صفقة القرن يعني تسليم المنطقة المستهدفة في سيناء خالية من السكان، والتنفيذ بدأ مبكرا جدا، بإخلاء رفح وهدمها وهي المدينة التاريخية التي وجدت منذ مئات السنين، ثم بدأت ماكينة التدمير تطحن الشيخ زويد، وحدثت القفزة بالعمل لإخلاء العريش بزعم بناء حرم للمطار، بمساحة 5 كم من كل الاتجاهات، أي هدم نصف المدينة بدلا من نقل المطار إلى خارجها.

ج- تدويل سيناء وخروج مصر منها

إن استمرار تنفيذ الخطط الإسرائيلية بدعم دولي في سيناء سينتج عنه إخلاء شمال سيناء والذي سيتبعه خروج الدولة المصرية، فالوجود المصري مرتبط بوجود السكان، وغياب السكان معناه غياب مصر، ونفس الأمر في المثلث الجنوبي، فتسليم شرم الشيخ للسعودية يعني إبعاد مصر عن مياه خليج العقبة وهذا خطوة مرحلية يتبعها الانسحاب حتى الطور ثم التراجع السويس!

 

سابعا: هل الصفقة ستكتمل؟

رغم ما يبدو من اندفاع أعمى في القاهرة والرياض وتبني تنفيذ الأجندة فإن عوامل تعطيل الصفقة أكثر من عوامل اكتمالها؛ فمشاركة السيسي وابن سلمان في سعي الرئيس الأمريكي واللوبي الصهيوني العالمي للإجهاز على القضية الفلسطينية ليس قدرا حتمي التحقق.

وبنظرة للواقع المحلي والإقليمي والخارجي نجد أن المتورطين في صفقة القرن أضعف من أن يكملوا الشوط حتى نهايته، وربما لن يسعفهم الوقت لإنجاز الخطة الإسرائيلية الموضوعة بسبب حجم المهام المطلوبة، التي تحتاج إلى سنوات طويلة، وخزائن متخمة بالأموال، وأنظمة حكم قوية ومستقرة، وهذا غير متوفر في الوقت الحالي.

ويمكن تلخيص العوائق التي تحول دون اكتمال هذه الصفقة على النحو التالي:

1- تأييد السعودية للخطة الإسرائيلية ليس كافيا لإنجاحها، فالمال السعودي رغم تأثيره فإن الميزانية الضخمة المطلوبة لصفقة القرن سواء في سيناء أو في مشروع نيوم تفوق قدرة المملكة، خاصة مع تراجع العائدات وعجز الموازنة والسحب من الاحتياطي، وكان الاستنزاف المالي ومطالب ترامب (460 مليار دولار) وراء القبض على الأمراء والاستيلاء على أموالهم لتوفير جزء من المطلوب، وهذا الملف سيكون سببا في تفكك العائلة الحاكمة، فلن يظل الأمراء رهن الاعتقال والإقامة الجبرية إلى الأبد.

2- الطرف الفلسطيني بكل اتجاهاته رافض للصفقة، فالسلطة الفلسطينية ليس لها دور في الترتيبات القادمة، فلن تكون هناك سلطة في رام الله ولا دولة في الضفة، وتقضي الترتيبات الجديدة بإنشاء مجالس محلية تدير مدن وقرى غير مستقلة وإنما تابعة للدولة الأردنية.

3- حماس هي الصخرة التي تقف أمام إنجاز الصفقة؛ فالحركة ومعها باقي الفصائل الفلسطينية يعلمون أن رؤوسهم جميعا هي المطلوبة للمقصلة، وأن التخلص من قطاع غزة أو تفكيكه هو الهدف الرئيسي للأجندة الإسرائيلية، ولهذا فإن كتائب القسام وباقي فصائل المقاومة يسابقون الزمن للاستعداد للمعركة القادمة، ويبدو من الاستعراضات العسكرية المعلنة أن هناك مفاجآت في حجم التسليح الصاروخي الذي حقق التوازن في الحروب الأخيرة ضد غزة.

إن النصر الذي عجز الإسرائيليون عن تحقيقه في الحروب الثلاثة الماضية في قطاع غزة لن يستطيعوا تحقيقه في الحرب القادمة، حتى وإن انضم لهم نظاما الحكم في مصر والسعودية؛ فالصمود الفلسطيني والعقيدة والالتصاق بالأرض عوامل لا يمكن إغفالها في هذا الصراع، خاصة إذا كانت مصاحبة لتسليح جيد وقدرات بشرية استشهادية غير عادية.

4- المملكة الأردنية تشعر أنها ستكون في موضع صعب وخطر كبير، حيث تهدف الخطة إلى تسليم الضفة بعد نزع القدس والمستوطنات لملك الأردن لفرض الأمن والقانون الأردني على الفلسطينيين، وهذا سيؤدي إلى تحويل الصراع بين الاحتلال والفلسطينيين إلى صراع بين الحكم الأردني والفلسطينيين، وقد تسبب تجاهل مخاوف الأردن في تصاعد الخلاف بين الملك عبد الله الثاني والسعوديين والإماراتيين حول الملف، بل أشيع عن إفشال مؤامرة لتنظيم انقلاب في الأردن تقف خلفه الإمارات.

5- إخلاء سيناء ليس عملية سهلة، فتوطين الفلسطينيين يقتضي تهجير السكان المصريين أولا، وهذا التهجير يواجه بمقاومة عنيفة ليست فقط من بعض البدو وجماعات مثل “ولاية سيناء” وإنما من الشعب المصري كله، ولهذا فإن فكرة إخلاء سيناء تحت مبررات محاربة الإرهاب لم تلق استجابة شعبية، ولأن موضوع اقتلاع السكان ليس سهلا فإن إخلاء مدينة رفح قد استغرق أربع سنوات ورغم تخريبها فإن عملية التفريغ من السكان لم تكتمل، ونفس التعثر يواجه إخلاء مدينة الشيخ زويد الأكثر تعقيدا، وتزداد الصعوبة مع دخول مخطط التهجير إلى العريش.

الذي يفسد مخطط التهجير عدم وجود بدائل معلنة لاستيعاب السكان المهجرين، وهنا تثار التساؤلات: هل سيتم نقل سكان شرق سيناء إلى غربها؟ وهل من المتصور أن يستسلم الذين دمرت بيوتهم وقتل ذووهم لقرار تشريدهم؟ أم هل سيكون الحل هو تهجيرهم إلى الوادي؟ وهل تستطيع الحكومة تحمل تهجير مئات الآلاف من المواطنين وتحمل التكلفة المالية والسياسية والأمنية لعملية تغيير محل إقامتهم؟

هذا الوضع تحول إلى قنبلة تزداد خطرا يوما بعد يوم، ويتعقد حلها، والاستمرار فيه في غير صالح الدوائر التي تدير الصراع لصالح الكيان الصهيوني، ومع الوقت ستتسع حالة الرفض وتتحول إلى ظاهرة شعبية، خاصة أن البيئة البدوية تتسم بالتماسك والعصبية التي تجعل المجتمع أقوى من الدولة، ويزداد التمرد مع تنامي الشعور بأن الدولة تعمل لصالح العدو وليس لصالح مواطنيها.

6- لا يوجد إجماع في الولايات المتحدة على الصفقة خاصة مع الصراع المحتدم بين الديمقراطيين والجمهوريين وتصاعد المعارضة ضد ترامب، وتزداد الضغوط لعزل الرئيس الأمريكي وتتوسع الاتهامات حول علاقاته وصهره، وهذا الانقسام الأمريكي أكبر من أن يتم احتواؤه، وإن لم يتم الانتهاء من الصفقة بسرعة في فترة ولاية ترامب الأولى فإن مصيرها مرتبط بمصيره، بل أي تغيير أمريكي قد ينعكس على الشركاء في الأنظمة المحسوبة على ترامب.

6- لا يوجد إجماع دولي على الصفقة فالأوربيون لم يوافقوا على ما يقوم به ترامب، وقد ظهر هذا الموقف الأوربي في الأمم المتحدة عندما صوتت معظم دول العالم ضد قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، ورفضوا الاعتراف بها عاصمة للكيان الصهيوني.

خلاصة

ظهور صفقة القرن بهذه القوة ليس لأن الصفقة مقنعة، وإنما لتبني نظامي السيسي وابن سلمان لها وقبولهما بأن ينفذا الأجندة الإسرائيلية لأسباب تتعلق بمشروعيتهما، واستقرار الحكم لهما، والسعي وراء الدعم الدولي لمواجهة تعاظم المعارضة الداخلية.

وهذا الاندفاع وراء الرئيس الأمريكي والاستسلام للهيمنة الإسرائيلية بقدر ما يخفف الضغط الخارجي وشراء الصمت العالمي لبعض الوقت فإن الانحياز للجانب الإسرائيلي والمشاركة في خطة التآمر على القضية الفلسطينية أفقدهما المشروعية الشعبية وجعلهما تحت الحصار.

إن السيناريوهات التي تطرحها صفقة القرن ليست حلولا، كما أن الإغراءات التي تقدمها “إسرائيل” لن يتحقق منها شيء لصالح مصر والسعودية، بل هي “وصفة انتحار” لكلا الدولتين.

ففي مصر ستؤدي الصفقة إلى إشعال الصراعات الداخلية التي لا نهاية لها، وستستنزف قوة الدولة المصرية في حرب لا نهائية، ويتولد من داخلها صراعات يصعب حصرها والإحاطة باتجاهاتها، كما أن طول أمد الحرب سيؤدي إلى تصدع الجبهة الداخلية التي ستنعكس على تماسك النظام وتمنعه من الوصول إلى نهاية المخطط له.

وفي السعودية فإن إنفاق مئات المليارات على الصفقة تحت عنوان مشروع نيوم الذي أصبح المظلة التي يتم التحرك من خلالها لتهويد سيناء وخليج العقبة زاد من الأعباء على المواطنين وأنهي زمن الوفرة وأدخل المملكة في مرحلة الاستدانة والتقشف وسيترتب على هذا تفاقم الحالة الاقتصادية، والأكثر تدميرا للسعودية عملية التخلي عن المشروعية الدينية وتغيير هوية المملكة القائمة على المذهب الوهابي منذ تأسيسها.

صفقة القرن رغم ما يبدو من صياغتها على أنها مشروع فيه منافع لدول الإقليم، فان حقيقته تدور حول السيطرة اليهودية على فلسطين التاريخية والتخلص من الأعباء الأمنية التي أرقت الاحتلال منذ عام 1948، وتحميل الأردن ومصر والسعودية جريمة إنهاء القضية الفلسطينية.

في هذه الصفقة الرابح الوحيد هو الكيان الصهيوني، وباقي المشاركين كلهم خاسرون؛ فالسعودية ستخسر أرصدتها وثرواتها وتماسكها، ومصر ستخسر سيناء وتفقد أمنها الاستراتيجي، والأردن سيجد نفسه في مواجهة مع الفلسطينيين وصراع مفروض عليه غير معروف نتائجه لكن الشر يلوح مع مقدماته.

يبقى احتمال مهم قد يقلب كل هذه الحسابات ويوقف تنفيذ الصفقة وهو حدوث تغيير في مصر يعيد الثوابت ويوقف الانهيار ويبدل الولاءات، وهذا الاحتمال يزداد مع الوقت مع الانقسام داخل دوائر الحكم التي اتحدت في الانقلاب ضد الرئيس محمد مرسي، ويبدو الآن أنها افترقت بسبب التوجه السياسي الذي يفرط في الحقوق المصرية والفشل في إدارة الملفات الداخلية.

 

 

ثانياً:

دولة فلسطينية في سيناء – إبراهيم حمّامي – 06/04/2016

عاد للواجهة من جديد المقترح القديم الجديد لعسكر مصر بإقامة دولة فلسطينية (بديلة) في شبه جزيرة سيناء، لكن هذه المرة لم يكن من خلال افتراء مقصود على الرئيس المصري محمد مرسي والذي كرره إعلام السيسي سابقاً وتلقفه محمود عبّاس في أكثر من مناسبة دون اي دليل أو اثبات أو حتى تقرير من أي جهة يثبت صحة ادعاءاتهم وافتراءاتهم...

ونقول القديم الجديد لأن هذا المقترح (توطين الفلسطينيين في سيناء أو إقامة دولة بديلة) عُرض لأول مرة إبان حكم جمال عبد الناصر حيث وافقت حكومته حينها على مشروع توطين قسم من لاجئي قطاع غزة في سيناء وعقدت اتفاقا مع وكالة الغوث يمنحها إمكانية إجراء اختبارات على 250 ألف فدان تقام عليها عدد من المشاريع.

مشروع جمال عبد الناصر لتوطين الفلسطينيين شمال غرب سيناء

"في 14 تشرين الأول عام 1953 توصلت وكالة الغوث مع الحكومة المصرية إلى اتفاق محدد تقدم مصر بموجبه 230 ألف مدان من الأراضي الصحراوية إلى وكالة الغوث لإجراء اختبارات زراعية فيها مع إعطاء وكالة الغوث الحق بانتقاء 50 ألف فدان من بينها من أجل أعمال التطوير الزراعي لمصلحة اللاجئين شريطة أن تقوم مصر بإيصال كميات كافية تصل إلى حدود 1 % من حجم مياه نهر النيل سنوياً لا رواء هذه الأراضي، وقد استغرقت أعمال هذا المشروع نحو ثلاثة أعوام من تاريخ توقيعه حتى 28 حزيران عام 1955، حين قدمت اللجنة الموكل إليها العمل تقريرها إلى وزير الدولة المصري لشؤون الإنتاج وإلى مدير الأونروا، وقد قدرت الفترة لتحقيقه كاملا بخمسة وعشرين عاما وقد جاء هذا في تقرير أعدته وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين عام 1955 عن المشروع وأن عدد الذين سيرحلون نحو 59500 نسمة يشكلون 12200 أسرة منها 10 آلاف أسرة زراعية و 1750 أسرة خدمات و 700 أسرة بالقطاع الثانوي وقد قررت الفترة الزمنية اللازمة لتوطين الأسرة بعشرة أعوام وقد أمنح المشروع مجال زيادة عدد السكان وما تقتضيه هذه الزيادة من خدمات، فمن المتوقع حسب المشروع أن تصل الزيادة في عدد السكان خلال 25 عاماً إلى 85000 ألف نسمة"

وقد وثق حسين أبو النمل في دراسة نشرها في أبريل/نيسان من العام 1978 ما يلي:

"بعد قيام الثورة في مصر واستقرار الحكم نسبيا استؤنفت "المحاولات التي كانت قد بدأت قبل ذلك لتوطينهم"، وقد استفادت المحاولات اللاحقة من التجارب السابقة الفاشلة بعد أن تأكد المعنيون أن قضية التوطين ليست بالأمر السهل الذي يمكن تنفيذه ببساطة.

ومن هنا اتسمت المشاريع المطروحة بطابع أكثر تنظيما وعمقا، ومن هنا اتسمت المشاريع المطروحة فى مرحلة 1952-1955 بطابع أكثر تنظيماً وعمقاً"

وكان من أهم هذه المشاريع مشروع توطين اللاجئين في شمال غرب سيناء الذي ووجه بردود فعل تفيض بالسخط والقلق من جانب الفلسطينيين في قطاع غزة. وقد حاولت الإدارة المصرية تنفيس ذلك السخط، فأصدرت لهذه الغاية بيانين، أولهما في الثامن والعشرين من أيار (مايو) سنة 1953 وثانيهما في التاسع عشر من أيلول (سبتمبر) 1953،

وقد خاطب نائب الحاكم العام أهالي قطاع غزة قائلا:

"كانت بعض الصحف المحلية قد نشرت خلال شهر مايو سنة 1953، أن هناك محاولات لإسكان اللاجئين خارج فلسطين، مستندة في ذلك إلى ما نشر في بعض الصحف الخارجية حول مشروع تقدمت به هيئة الإغاثة الدولية التابعة لهيئة الأمم المتحدة لتشغيل وإسكان اللاجئين في شبه جزيرة سيناء، وغزة، مما دعانا إلى أن نصدر بياننا المؤرخ في 28/5/1953 نعلن فيه أنه قد أرجئ البحث في هذا الموضوع.

ولما كان هذا المشروع قد أصبح شاغلا للأهالي ومدار حديثهم، ولما تعلمه هذه الإدارة التي دأبت جاهدة على العمل لما فيه الخير والرفاهية للجميع، وتحقيقا لرغباتهم ليسرها أن تعلن لأهالي ومهاجري المنطقة جميعا، بأنه قد تمت مقابلة بين السيد قائد عام القوات المسلحة والسيد الحاكم الإداري العام للمنطقة الخاضعة لرقابة القوات المصرية بفلسطين، بخصوص ھذا الموضوع؛

وقد انتهت بالموافقة على أن إسكان اللاجئين ھو محل إعادة نظر السلطات المختصة في الوقت الحاضر، ولن تتخذ فيه أية إجراءات أو خطوات إلا بما يحقق أماني الفلسطينيين ومصالحهم. ولذلك نلفت النظر إلى أن الحديث حول ھذا المشروع قد أصبح غير ذي موضوع. [حسين أبو النمل، قطاع غزة ... "ص84 –85"

ويعلق مؤلف الدراسة التي نشرها مركز أبحاث منظمة التحرير الفلسطينية على البيان الذي أصدره نائب الحاكم الإداري لقطاع غزة بقوله:

"كان نائب الحاكم الإداري لا يقول الحق، لأن الحكومة المصرية كانت قد اقترحت اعتبار نهر النيل كمصدر لمياه الري للأراضي الواقعة مباشرة شرق قناة السويس.

ونتيجة لهذا الاقتراح أتمت الوكالة في 30 يونيو عام 1953 إتفاقية برنامج مع الحكومة المصرية أتاحت الاحتفاظ بمبلغ 30 مليون دولار لأغراض أبحاث المشروع في شبه جزيرة سيناء وغزة والباقي ليستعمل في الإنشاء والاستيطان، إذا ما أثبتت الدراسات الأولية أن ھناك مشروعات عملية يمكن القيام بها.

أي أن تخوف اللاجئين والأهالي في القطاع كان له ما يبرره. وبجانب ذلك فقد اتفقت الحكومة المصرية ووكالة الغوث على إسناد المسئولية المشتركة عن إدارة الأبحاث والدراسات الخاصة بالمشروع، المحدد في الاتفاقية، إلى المجلس الدائم لتنمية الإنتاج القومي، ممثلا للجانب المصري، وإلى مكتب وكالة الغوث في القاهرة ممثلا للوكالة،

وقد تم ھذا الاتفاق خلال شهر تشرين الأول (أكتوبر) 1953، أي بعد ما يقرب من شهر من صدور بيان الحاكم الإداري الأخير المشار إليه آنفا.

"ويمكن لنا اعتبار ھذا المشروع، الذي أعد خصيصا لتوطين لاجئي قطاع غزة من أكثر المشاريع خطورة، لأنه يطرح تصورا شاملا لكيفية تنفيذ المشروع "كذا"، كما أنه يعكس من الناحية الثانية الجدية الفائقة لوكالة الأمم المتحدة وللحكومة المصرية لتنفيذ ذلك المشروع،"

وقد رمى المشروع إلى زراعة خمسين ألف فدان في الشمال الغربي لسيناء لتوطين اللاجئين فيها ليتولوا زراعتها، وليعيشوا حياة عادية معتمدين على أنفسهم وعلى إنتاجهم.

كما اقترح قيام نوع من الحكم المحلي، مع أخذ التجمعات التي انتظم اللاجئون على أساسها بعين الاعتبار، بحيث يكون أبناء العشيرة الواحدة والقرية الواحدة في مستوطنة واحدة.

ولاستكمال العرض التاريخي هنا نقول أن سكان قطاع غزة هم من أسقطوا هذا المقترح/المشروع وبكل قوة، وهو الذي الأمر الذي واجهه عبد الناصر في حينها بالقمع والتنكيل بأبناء القطاع...

وفي العام 1955 خرجت مظاهرات عارمة في قطاع غزة ضد الحكم العسكري الناصري ومشاريع التوطين التي كان يسير فيها عبد الناصر وعسكره، وهو ما وثقه اليساريون الفلسطينيون ب"انتفاضة مارس التاريخية" ليقولوا:

"هذه الانتفاضة الباسلة التي فجرها الشيوعيون وحلفائهم عام 1955 بقيادة الرفيق المناضل معين بسيسو أمين عام الحزب آنذاك والتي حملت شعارات " لا توطين ولا إسكان،.. يا عملاء الأمريكان "," العودة، العودة حق الشعب ".

والتي شهدت أكبر مظاهرات عرفها تاريخ قطاع غزة وسقط فيها أكثر من 30 شهيدا على رأسهم الرفيق حسني بلال وهو أول شهيد وطني ضد مشاريع التوطين والرفيق المناضل " يوسف أديب طه " عضو الشبيبة الحزبية و الذي رفع العلم الفلسطيني على مقر الحاكم العسكري فما كان من احد رجالات الشرطة سوى إطلاق النار عليه فسقط شهيدا"،

في 05 آذار/مارس 1955، أصدرت الإدارة المصرية قرارا بفرض منع التجول في القطاع إلا أن المظاهرات والهتافات القادمة من المخيمات الوسطى أفشلت منع التجول، وبدأت المفاوضات بين الفلسطينيين والادارة المصرية، وتركزت مطالب الجماهير الشعبية وقيادتها حينذاك فيما يلي:

  • إلغاء مشروع التوطين في سيناء فورا.
  • تدريب وتسليح المخيمات الفلسطينية لتتمكن من الدفاع عن نفسها.
  • فرض التجنيد الإجباري وتشكيل جيش وطني فلسطيني.
  • محاكمة المسئولين عن الذي أمر بإطلاق الرصاص على المتظاهرين.
  • إطلاق الحريات العامة، وعلى رأسها حرية الاجتماع والتعبير والإضراب.

وافقت الإدارة المصرية على إلغاء مشروع التوطين كما ورد أعلاه...

ينبغي التنويه هنا للدور الذي قام به عبد الناصر وعسكره في محاولة فرض التوطين على سكان قطاع غزة في صورة مشابهة حد التطابق لما يحدث اليوم من قبل عسكر السيسي...

في الفترة اللاحقة لعام 1955، توقفت مشاريع التوطين، نسبياً، تلك المطالبة بتوطين الفلسطينيين خارج أرضهم، وإن كانت قد طرحت، ضمناً، في مشاريع التسوية، التي انهالت على المنطقة.

إن هذا يؤكد وجود قدر كبير من التفاهم المشترك بين حكومة عبد الناصر في حينها ووكالة الغوث من أجل تصفية القضية الفلسطينية، أو على الأقل تصفية الجزء الذي اضطلعت الحكومة المصرية بمسئوليته منها، من خلال إدارتها لقطاع غزة، وقد تجاوز مرحلة التفاهم إلى مرحلة الاتفاق الرسمي، وتخصيص الأموال بتفاصيل واضحة لتفي باحتياجات المشروع ومكملاته لفترة طويلة.

وعلى مدار العقود اللاحقة كان مشروع التوطين في سيناء يظهر للواجهة بين فترة وأخرى، وفي هذا الشأن رصدت إسراء عبد المنعم في العام 2012 المشاريع والمقترحات التالية:

مشروع جونسون

وفي مطلع الستينيات من القرن الماضي، جرت محادثات مطولة بين الأمريكيين وعبد الناصر حول المسألة الفلسطينية، خصوصاً مع مجيء بعثة جونسون إلى المنطقة العربية وما سمي مشروع جونسون لتعمير شمال سيناء وتوطين الفلسطينيين فيه!

مشروع بيجال آلون

ثم ظهر المشروع مرة أخرى عام 1967، حيث انتهزت إسرائيل فرصة الانهيار العسكري الذي عانت منه مصر بعد الحرب، وأطلقوا على المشروع اسم "بيجال ألون" نسبًة إلى صاحبه، وكان يقوم على إنكار مسئولية إسرائيل عن الأزمة الفلسطينية، واتهام دول الجوار بأنها السبب وراء استمرار هذه الأزمة.

ودعا "ألون" إلى توطين اللاجئين الفلسطينيين في سيناء سواء قبل المصريون أم لم يقبلوا، وكان هذا المبدأ مرفوض من قبل القيادة المصرية، التي كانت عاجزة عن السيطرة على سيناء وقتها، وحليفها السوفيتي.

مشروع آريل شارون - 1971

"إسرائيل" لا تيأس، ولكنها تؤجل المشاريع للفترة التي تراها مناسبة كي ترى النور مرة أخري، ففي عام 1971 قام "آريل شارون" - قائد القوات الإسرائيلية في قطاع غزة آنذاك - بتقديم مشروعه الذي يمثل نسخة معدلة من المشروع القديم، وكان مبرره أن المشروع يهدف إلى تخفيف الكثافة السكانية في قطاع غزة.

وعلى عكس المحاولات السابقة، استطاع "آريل" أن يقوم بتحرك عملي على طريقته الخاصة، حيث قام بشق شوارع في المخيمات الرئيسة في القطاع لتسهيل مرور القوات إلى المخيمات، مما أدى إلى هدم آلاف المنازل ونقل أصحابها إلى "مخيم كندا" داخل الأراضي المصرية.

وبعد أن تم توقيع اتفاقية السلام مع مصر، رفضت إسرائيل عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى الأراضي الفلسطينية، وبذلك أصبح مشروع "آريل شارون" من أكثر المشروعات نجاحٌا، نظرًا لنجاحه بالفعل في ترحيل عدد كبير من الفلسطينيين، بالإضافة إلى كون تجربته بروفة عمل لتوسيع المشروع.

غيورا ايلاند- 2004 (ابان حكم حسني مبارك)

عاد "مشروع سيناء" للواجهة من جديدة مع بداية هذا القرن

وعاد المشروع ليُطرح مرة أخرى عام 2004، فقام بطرحه "غيورا إيلاند" مدير مجلس الأمن القومي الصهيوني، حيث اقترح خطة تسوية بين فلسطين ومصر، وتقتضي هذه الخطة تنازل مصر عن أرض من أراضي سيناء المحاذية لقطاع غزة، على أن تكون مساحتها 600 كيلو متر، وذلك لتوطين اللاجئين.

وفي المقابل، تتنازل إسرائيل لمصر عن 200 كيلو متر من أراضي صحراء النقب في شمال غرب مدينة "إيلات"، لإقامة جيب مصري يمتد عبر نفق يخضع للسيادة المصرية ويربط بين مصر والأردن، وتم تسويق المشروع على أنه سيمكن مصر من إعادة إنشاء خط السكة الحديد القديم، وأنه سيقوم بالربط بين عرب أفريقيا وعرب آسيا، مما يؤدي إلى تحقيق عائد اقتصادي كبير.

وحتى يصبح المشروع أكثر إغراءً، تضمنت الخطة أن تحصل الأردن على منفذ على البحر المتوسط عبر النفق البري وميناء غزة، كما تحصل العراق على منفذ بالطريقة ذاتها، وتحصل السلطة الفلسطينية على 89 بالمئة من مساحة الضفة الغربية، بينما تحصل إسرائيل على الـ 11 بالمئة المتبقية من الضفة، وهي التي تضم كافة التجمعات الاستيطانية، إلا أن كل ذلك لم يجنب المشروع مواجه الرفض مثله مثل سابقيه.

وهو ما أرخت له أيضاً بيسان عدوان تحت عنوان " مخططات توطين اللاجئين الفلسطينيين رؤية قديمة – جديدة" نُشر في شهر حزيران/يونيو من العام 2005 وجاء فيه:

" كان مؤتمر هرتسيليا الخامس الذي انعقد بين 14-16 ديسمبر 2004 المنبر الأول الذي يطالب فيه القادة الإسرائيليون بتوطين اللاجئين حتى قبل التفاوض حول مشكلتهم، وجعل ذلك شرطا لإمكانية التوصل إلى تسوية مع السلطة الفلسطينية، فاعتبر سيلفان شالوم في خطابه أمام المؤتمر أن "حجر الأساس المركزي في بناء الثقة كان وما زال المطالبة بـ(حق) العودة واستخدام (الإرهاب). علينا أن نعمل من أجل إزالة حجر الأساس الكامن في ادعاءات العودة الفلسطينية"، وزاد الأمر وضوحا "أن الطريق للقيام بذلك هي بواسطة أقوال وأعمال فلسطينية وذهب شالوم بعيدا بجعل التوطين يزيل أسس ما أسماه العداء للكيان الإسرائيلي، وأشار قول شالوم إلى أن "ترميم المخيمات سيثبت أن الادعاء بالعودة ليس جزءا من العلاقات بين الشعبين" إلاّ أن قضية اللاجئين تبقى الجزء الحي والمعلم الأساس الذي دون حلها لا يمكن تصفية القضية الفلسطينية"، وأكد حقيقة المراد الإسرائيلي من الحل الذي ترتئيه بطي صفحة اللاجئين عبر قوله. إن "ثمة حاجة لأن يقول الفلسطينيون بوضوح أن تطلعاتهم الوطنية لا تشمل عودة اللاجئين إلى تخوم (إسرائيل)".

أما رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون فقد تباهى بتوافقه مع الولايات المتحدة بشأن إسقاط حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى حدود 1948، فيما طالب نتنياهو وزير المالية الإسرائيلي بجانب إجراء الانتخابات الحرة، النقاش المفتوح والشفافية الاقتصادية لدى الفلسطينيين أن يتم" جهد حثيث لتفكيك مخيمات اللاجئين وإبعاد العنف عن هذا المجتمع". وبذلك جعل نتنياهو إصرار الفلسطينيين على حق العودة هو إرهاب وعنف، كما فعل شالوم حين وصف تمسك الرئيس الراحل ياسر عرفات بحق العودة بإرث عرفات (الإرهابي)، وقال نتنياهو" كل الخطوات التي يفعلها حكم متنور وحر، هي في واقع الأمر الضمانة الأفضل في ألا يقوم خلف الجدار نظام (إرهابي) جديد".

وبجانب هذه المواقف العلنية بادرت تل أبيب إلى تحركات فعلية لإخراج رؤية التوطين إلى حيز الواقع، ففي تصريحات للمدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية رون بروسور قال لإذاعة الجيش الإسرائيلي 15/12/2004 إن وزارته تعد مخططا لتوطين اللاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة وسوريا ولبنان. والذي في سياقه يمّول المجتمع الدولي تحسين أوضاع اللاجئين الفلسطينيين، في قطاع غزة أولا وبعد ذلك في الضفة الغربية ثم في سوريا ولبنان. وأشارت الإذاعة إلى أن وزير الخارجية الإسرائيلي سيلفان شالوم، توجه أخيراً إلى الدول المانحة والبنك الدولي مطالبا برصد أموال للمخطط الإسرائيلي- الإسرائيلي- الصهيوني، ونقلت الإذاعة عن مصادر سياسية صهيونية قولها إنها "ستطلب من دول العالم أن تستوعب لاجئين فلسطينيين في أراضيها"!

ولم تكف تل أبيب عن طرح مشروع توطين اللاجئين في سيناء ورغم أن زعيم حزب المفدال الديني الإسرائيلي إيفي أيتام هو الذي اقترح في السنة الماضية هذا المشروع إلا أن المعلومات تشير إلى أن حكومة شارون بحثت هذا الموضوع، وقامت أوساط أكاديمية إسرائيلية بطرحه في خطة متكاملة في مؤتمر هرتسيليا الخامس ضمن تسوية ثلاثية مع مصر والأردن وسوريا تشمل تبادلاً للأراضي، بحيث يتم توطين أبناء غزة في سيناء مقابل 200كم2 تحصل عليها مصر في منطقة 'النقب' والأردن مطالب بالتنازل عن 300كم2 لتعويض سوريا عن أراضي الجولان وإقامة طريق بري بين مصر والأردن والعراق والسعودية لإنشاء 'كويز' إقليمي بقيادة الكيان الإسرائيلي- الإسرائيلي- الصهيوني

وأكدت المعلومات أن شارون هو الذي شكل الفريق الذي صاغ الخطة وتشاور بالفعل حول هذه الخطة مع وزيرة الخارجية الأمريكية الجديدة كونداليز رايس، وأن الأخيرة قدمت تقريرا مرفقة به الخطة إلى الرئيس جورج بوش، وترى الخطة انسحاب الكيان الإسرائيلي- الإسرائيلي- الصهيوني من غالبية أراضي قطاع غزة، بحيث لا يكون الانسحاب كاملا، وتشير الخطة هنا إلي أن قطاع غزة في أراضيه ذو حجم ضيق، وفي نفس الوقت فإن الكثافة الفلسطينية فيه تبدو غير طبيعية، وإنه إذا تم اقتطاع أي جزء من القطاع، فلابد أن يكون هناك أحد حلين: إما تعويض الفلسطينيين بالحصول على جزء آخر من الأراضي، وإما ترحيل عدد من الفلسطينيين المقيمين في هذه الأراضي إلى خارج القطاع.

وتشمل الخطوة الثانية من الخطة الدخول في مفاوضات مع الحكومة المصرية تحت رعاية واشنطن التي يجب أن تبدأ اتصالات أولية بهدف تشكيل لجنة للدخول في مفاوضات مع الحكومة المصرية لإرغامها على التنازل عن مساحة تصل إلى نحو 1600 كيلو متر من أراضي سيناء وضمها لقطاع غزة، لتكون عوضا عن الأراضي التي ستقتطعها تل أبيب من قطاع غزة بهدف توطين اللاجئين في هذه الأراضي".

عسكر مصر اليوم لا يختلف عنه بالأمس فها هو عبد الفتاح السيسي والمنظومة العسكرية المتحكمة في مصر تعيد انتاج هذا المقترح وبتفاصيل أكثر وضوحاً مع تغيير مصطلح التوطين إلى مصطلح الدولة!

الحقيقة التي بدأت بالظهور وعلى مراحل تثبت أن المشروع هو مشروع حصري وخاص لعسكر مصر منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا.

للتذكير مرة أخرى فقد انفلت الاعلام المصري الموجه من عقاله قبل عامين ليتهم الرئيس المصري محمد مرسي بعرض مشروع دولة فلسطينية في سيناء معتمداً على منظومة الأكاذيب المدعومة رسمياً من قبل الثنائي السيسي/عبّاس، وهو أمر مختلق جملة وتفصيلاً وبلا أساس وبالمطلق...

خطة هيوشع بن آريه – 2013

والتي ما كانت لتتم باي حال من الأحوال في وجود الرئيس محمد مرسي، لذلك كان لابد من التسريع بالانقلاب ومن ثم نشرها بعد شهرين من استيلاء السيسي على مقاليد السلطة...

ليقوم السيسي بطرحها بدورها بعدها بعام بالتمام والكمال كما سنفصل تالياً...

الخطة التي طُرحت كانت تفصيلية بشكل كبير وهنا نطرح ما جاء فيها:

"هي الخطة التي طرحها البروفيسور "يهوشع بن آريه" الرئيس السابق للجامعة العبرية فى دراسة موسعة، لحل قضية الشرق الأوسط الأولى دون تنازل واحد من إسرائيل، وكأنه يعوض من سُرقت أرضه بقطعة من أراضي عائلته. الدراسة العبرية سرعان ما تحولت لمشروع "أمريكي-صهيوني" يتضمن آليات ومميزات لإقناع مصر ببيع أراضيها مقابل مشروعات اقتصادية ضخمة تحت عنوان "تبادل أراضٍ إقليمية".

ويتلخص المشروع "الأمريكي – الإسرائيلى" لتبادل الأراض بين مصر وفلسطين وإسرائيل، في أن تتنازل مصر للفلسطينيين عن رفح والشيخ زويد لتتمدد غزة إلى حدود مدينة العريش، مقابل أن تحصل مصر على أراضٍ مماثلة فى صحراء النقب، ومميزات خاصة تتمثل في إقامة شبكة طرق أهمها طريق يربط بين مصر والأردن والسعودية ويوصل الحجيج المصريين إلى مكة المكرمة، فضلاً عن منح مميزات لمصر منها ضخ نقدى يتراوح بين 100 و150 مليار دولار، بجانب محطة تحلية مياه ضخمة ممولة من البنك الدولي تغطى العجز الكبير في المياه الذى سيتسبب فيه سد النهضة الإثيوبي.

وفى المقابل، تحصل إسرائيل على مساحات تصل من 40 إلى 60% من أراضي الضفة الغربية، مع منح الفلسطينيين قطعاً بديلة فى صحراء النقب بحيث تحافظ على المستوطنات الإسرائيلية فى الضفة وتمنحها الشرعية الدولية والقبول العالمي.

وأعد المشروع البروفيسور الإسرائيلى "يهوشع بن آريه" الرئيس السابق للجامعة العبرية، ويرتكز مشروع "تبادل الأراضي الإقليمي" على خمسة مقومات أساسية، يتأسس كل منها على الآخر، طبقاً لوجه نظر "آريه"، فمساحة أراضي الضفة وغزة غير كافية لقيام دولة فلسطينية كاملة السيادة، وعليه فيكون الحل هو الحصول على أراضٍ مصرية لحل الأزمة، ويضيف البروفيسور الإسرائيلى أن مصر شاركت في حرب 48 وكانت سبباً في نزوح اللاجئين إلى قطاع غزة، كما أن القطاع نفسه كان تحت الإدارة المصرية لمدة 19 عاماً، ولذلك على مصر التدخل والمساهمة فى الحل.

ويتابع "آريه" بأن المجتمع الدولي بقيادة أمريكا وأوروبا يرى فى المشكلة الفلسطينية أمراً ضاغطاً ومؤثراً على المنطقة ويمثل تهديداً لمصالحه، وبالتالي عليه التدخل للمساهمة في الحل، كما أن الوضع الحالي في غزة يمثل قنبلة موقوتة وتهديداً أمنياً لإسرائيل، ولذلك من مصلحتها إيجاد حل للقطاع، لكنه يضيف، في المقوم الخامس للمشروع، أنه في حالة حصول الفلسطينيين على حدود ما قبل 67، فإن تلك الأراضي لا توفر السيادة الكاملة، وكذلك فإن إسرائيل غير ملزمة في تلك الحالة بتوفير طريق رابط بين الضفة وغزة وكذلك غير ملزمة باستيراد عمالة فلسطينية.

وتضمنت نسخة ملخص المشروع التنفيذي ثلاث خرائط أولية، تحدد بدقة الأراضي التي سيتم تبادلها وخرائط الطرق والممرات الآمنة، وخطوط البترول، المقترحة كمميزات للدول الأربع المستفيدة منه، وهى: مصر، وإسرائيل، والأردن، وفلسطين.

وبدأ الملخص التنفيذي للمشروع بمقدمة عامة جاء فيها، أن حل الدولتين هو السبيل الوحيد لحل الصراع الإسرائيلى - الفلسطيني، ويمكن أن يكون الخط الأخضر المحدد من عام 1949 إلى عام 1967 بمثابة أساس حدود بين الدولتين، لكن هناك حاجة إلى تبادل الأراضي، لأن غزة ليست كياناً قابلاً للحياة على المدى الطويل، سواء كان اقتصادياً أو ديموجرافياً، كما أن مصر تواجه تحديات داخلية ضخمة اقتصادياً وديموجرافياً، وإسرائيل غير قادرة على تهجير 250 ألف مواطن يعيشون فى الضفة الغربية، بينما تمتلك مصر مساحات واسعة من الأراضي غير المأهولة، لكنها لا تملك موارد كافية لتطوير هذه المساحات، كما أن مصر وفلسطين والمجتمع الدولي لهم مصالح خاصة سياسية واقتصادية في الوصول لحل سلمى طويل الأجل للنزاع.

وحدد الملخص التنفيذي للمشروع مرحلتين للتنفيذ، الأولى: تبادل الأراضي بين الفلسطينيين والإسرائيليين.. وقال "آريه"، في هذه المرحلة، إنه بناء على مبادرة القمة العربية في بيروت، وكذلك المبادرات الإسرائيلية والفلسطينية المختلفة يمكن أن تكون الغالبية العظمى من الضفة الغربية تابعة لفلسطين، كما يحصل الفلسطينيون على مساحة تقدر بنحو 100 كيلومتر جنوب غربي صحراء النقب مع ممر يربط بين مصر والأردن، وفى المقابل تحصل إسرائيل على منطقة مماثلة الأراضي في الضفة الغربية.

أما المرحلة الثانية فهي: تبادل الأراضي بين مصر وفلسطين وإسرائيل، ويقول "آريه" إنه يمكن التوصل لاتفاق لضم بعض مئات الكيلومترات من شمال سيناء إلى فلسطين من حدود غزة مع مصر إلى مدينة العريش، وفى المقابل تحصل مصر من إسرائيل على بعض مئات الكيلومترات في جنوب غربي صحراء النقب وممر برى يربط مصر مع الأردن.

ولفت إلى أن هناك سابقة لاتفاق تبادل الأراضي في المنطقة نفسها بين الأردن والمملكة العربية السعودية في عام 1965، حين رسما الآلاف من الكيلومترات المربعة على جانبي حدودهما المشتركة، وبالتالي يمكن تكرار ذلك مره أخرى.

ووضع المخطط 6 خطوات لتنفيذ المشروع هي:

أولاً: تتنازل إسرائيل عن مساحة 200-500 كيلومتر مربع لمصر فى جنوب صحراء النقب المتاخمة لمنطقة "فاران ناحال" في سيناء الواقعة مقابل "الكونتيلة" التي سيتم ضمها إلى مصر وستصبح أرضاً مصرية يمكن الاستفادة منها بطرق متعددة، كما يمكن القيام ببعض الترتيبات الأمنية التي تطبق في الوقت الحاضر في سيناء، طبقاً لاتفاقية "كامب ديفيد" للسلام.

ثانياً: تتنازل إسرائيل لمصر عن ممر يتم إقامة طريق سريع فيه من أقصى المنطقة التي سيتم ضمها إلى سيناء من جهة حدود الأردن، ما يسمح ببناء طريق متعدد للسيارات والسكك الحديدية ومنطقة كافية لبناء خطوط أنابيب بترول ومياه.

ثالثاً: في مقابل المنطقة والممر الذي ستتنازل إسرائيل عنه لمصر، فإن مصر ستوافق على التنازل عن مساحة للفلسطينيين تعادل على الأقل ضعف المساحة التي تنازلت عنها إسرائيل (من 500 إلى 1000 كيلومتر مربع) وستكون تلك المنطقة جنوب مدينة رفح في قطاع غزة على طول الحدود بحوالي 20-30 كم وعلى الساحل من الحدود المصرية - الإسرائيلية الحالية تجاه مدينة العريش وتمتد إلى داخل سيناء.

رابعاً: فى مقابل المنطقة التي سيحصل عليها الفلسطينيون من مصر، يتم التنازل عن مساحة مماثلة لإسرائيل فيما وراء الخط الذي تحدده اتفاقية الهدنة التي وُقعت بين إسرائيل والأردن في عام 1949 والذي هو في الواقع حدود 4 يونيو عام 1967.

خامساً: جزء من الوثائق التي تشكل هذا الاتفاق ويتم التوقيع عليها هو عبارة عن خرائط تفصيلية تظهر وتحدد الآتي:

حجم وحدود المنطقة الخاضعة للنفوذ الإسرائيلى في صحراء النقب، التي، وفقاً لهذه الاتفاقية، يجوز التنازل عنها لمصر كجزء من اتفاقية السلام النهائية التي سيتم توقيعها بين إسرائيل والفلسطينيين.

الطريق السريع والممر بين مصر والأردن، الذي سيتم أيضاً التنازل عنه لمصر بعد توقيع اتفاق السلام النهائي بين إسرائيل والفلسطينيين.

ترسيم حجم وحدود المنطقة المراد التنازل عنها من قِبل مصر للفلسطينيين جنوب قطاع غزة.

تكون مساحة الأراضي موضحة بالكيلومتر المربع سواء فى مناطق الضفة الغربية وما وراء خطوط 4 يونيو 1967، والذي من المفترض أن يتم الاتفاق على ضمه لصالح دولة إسرائيل نهائياً.

سادساً: يتم ترسيم دقيق للأراضي للمنطقة المراد ضمها لإسرائيل فى ما وراء خطوط 4 يونيو 1967، وكنتيجة طبيعية يتم ترسيم الحدود الدائمة بين إسرائيل والفلسطينيين، وكذلك ما يتم إقراره بشأن مدينة القدس وضواحيها، ويجب أن يتم كل ذلك كجزء من خطوات إضافية يتم الاتفاق عليها مسبقاً قبل التوقيع على اتفاق سلام بين إسرائيل والفلسطينيين.

كما حدد الملخص التنفيذي الشكل النهائي لخريطة المنطقة من حيث المنافع، مشيراً إلى إنشاء شبكة طرق تخدم التجارة البينية، وربط الطرق ببعضها، وتوصيل المياه والغاز والبترول مع مد خطوط الأنابيب لتحقيق ذلك، وإنشاء مطار دولي في غزة بعد توسعتها كذلك، وميناء بحري في مصر وفى الأراضي الفلسطينية كذلك، ودعم التجارية العربية البينية.

وحدد المشروع المكاسب التي ستحصل عليها كل من مصر وإسرائيل وفلسطين جراء تبادل الأراضي. وأوضح أن إسرائيل ستستفيد بضم أراضٍ بالضفة الغربية، يقطنها 196 ألف مستوطن إسرائيلي مع الحصول على الشرعية الدولية بذلك، لافتاً إلى أن (86٪ من السكان الإسرائيليين يعيشون فى الضفة الغربية)، وذلك فى مقابل التنازل عن منطقة غير مأهولة بالسكان، وإيجاد حل طويل الأمد للحفاظ على مصالحها التاريخية والسياسية والدينية والأمنية، وأيضاً تحقيق انفتاح على العالم العربي والإسلامي للتعاون فى المستقبل ثقافياً واقتصادياً وسياسياً.

أما المكاسب التي ستحصل عليها مصر، بحسب المشروع «الصهيو-أمريكى»، فهي التنازل عن أراضٍ غير مأهولة قليلة الأهمية من الناحية الاستراتيجية، مقابل أراضٍ لها أهمية استراتيجية كبيرة، وكذلك ممر برى إلى الأردن، وطريق أسهل للحجيج للوصول إلى مكة، علاوة على فوائد تجارية مثل مد خط أنابيب نفط وتنشيط التجارة، وتوفير التمويل الدولي للاقتصاد المصري، وكذلك تسريع وتيرة مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة الأمريكية، والحفاظ على المساعدات العسكرية الأمريكية وتبنى خطة «مارشال» دولية للتنمية الاقتصادية فى قناة السويس، ثم إيجاد حل للضغوط الاقتصادية والديموغرافية (السكانية) فى قطاع غزة، ما يقلل من الضغوط الداخلية على الحكومة المصرية فيما يتعلق بحدودها مع القطاع المأزوم، كما أن تلك المشروعات ستنفذها لجنة دولية تحت إشراف الحكومة المصرية.

وتتلخص المكاسب الفلسطينية، حسب زعم مشروع «آريه»، في: ضم أراضٍ ذات أهمية استراتيجية ومنطقة ساحلية، مقابل التنازل عن المطالبات بالأحقية في أراضٍ ذات كثافة سكانية إسرائيلية عالية، وأيضاً تخفيف الضغط السكاني عن غزة، إضافة إلى عدد من الفوائد الاقتصادية مثل بناء ميناء في عمق البحر، وتنشيط الصادرات والواردات وإقامة خط أنابيب النفط، وكذلك إقامة محطات كهرباء ومنشآت تحلية المياه ومطار دولي وعدد من المدن الجديدة وتنشيط السياحة وصيد الأسماك علاوة على الحصول على أراضٍ تعادل 100% من مساحة الضفة وغزة قبل عام 1967.

وحول المكاسب التي سيحصل عليها الأردن، يقول «آريه» فى مشروعه:

سيجنى الأردن مكاسب ديموغرافية، فاستقرار غزة يقلل الضغط على الضفة الغربية، كما يحد من تدفق السكان إلى الأردن، كما سيحقق عدداً من المكاسب الاقتصادية مثل حصول الأردن على مخرج إلى البحر الأبيض المتوسط، كما سيستفيد من زيادة حركة التجارة والدخول والخروج عبر حدوده.

ويضع «آريه» في النهاية ملخصاً للمشروع يقول فيه: إن مصر تفتقر إلى التمويل الدولي وستحصل على اعتمادات دولية وطريق يربطها بمكة إضافة إلى مكاسب اقتصادية، وإسرائيل تفتقر الاعتراف الدولي بالمستوطنات في القدس والضفة الغربية وستحصل على اعتراف دولي بضم مئات الكيلومترات من الضفة الغربية، وكذلك الحفاظ على مصالحها التاريخية والسياسية والدينية والأمنية علاوة على إنهاء مقاطعة الدول العربية والإسلامية لها.

وفلسطين تفتقر إلى الأراضي وستحصل على أراضٍ تعادل مساحتها 100% من مساحتي الضفة الغربية وغزة قبل عام 1967، كما سيصبح قطاع غزة مناسباً لتحقيق تنمية طويلة الأمد علاوة على مكاسب اقتصادية.

واعتبر أن تطبيق هذا الحل المتعدد الأطراف سينتج عنه زخم إقليمي وخلق أصحاب مصالح إضافية لدعم تنفيذه، والحفاظ على اتفاق سلام على المدى البعيد، كما أن انتهاج حل سلمى طويل المدى سيطلق الموارد الحيوية بهدف التنمية البشرية.

وقال مصدر مصري مطلع إن دبلوماسيين غربيين سربوا هذا المشروع، وكشف عن أن "آريه" ترك تحديد المساحات بشكل دقيق للمرحلة الثانية وهى مرحلة ستبدأ بمجرد الحصول على الموافقة المبدئية على المشروع من الدول المعنية، خاصة مصر، والتي تعتبر حجر الزاوية فى الموافقة على هذا المشروع، خاصة أنها سبق أن رفضت مثيلاً له من قبل، وقال إن المساحات المبدئية المطروحة فيما يتعلق بمصر تتحدث عن حدود تقف عند مدينة الشيخ زويد على أساس استيعاب اللاجئين الفلسطينيين ولاجئ الشتات فى الخارج، وهم معضلة صعبة فى كل مفاوضات السلام الفلسطينية - الإسرائيلية، مضيفاً أن المشروع ترك الباب مفتوحاً أمام إمكانية توسعه الأراضي الفلسطينية الجديدة، فى المراحل النهائية، إلى حدود العريش مقابل مميزات أعلى لمصر.

 

مشروع عبد الفتاح السيسي – 2014

بلا كلل ولا ملل يصر عسكر مصر على احياء مشروع التوطين/الدولة في سيناء، وعلى خطى عبد الناصر يكمل عبد الفتاح السيسي المسيرة!

انفضاح أمر السيسي جاء من شركائه في المقترح والخطة، أي الجانب الاسرائيلي الذي ينشر التفاصيل تباعاً وعلى طريقة الخطوة خطوة لتخفيف وقعها على مؤيدي السيسي...

في 08 أيلول/ سبتمبر 2014 قالت إذاعة الجيش الإسرائيلي في تقرير لمراسلتها ايليئيل شاحر، صباح اليوم، ان مصر تقدمت بعرض لإحلال السلام بين إسرائيل والفلسطينيين كشف عنه الجنرال السيسي اثناء لقائه الأخير مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس في القاهرة.

وقالت الإذاعة الإسرائيلية ان السيسي عرض على ابي مازن ان تمنح مصر جزءاً من أراضي شبه جزيرة سيناء للفلسطينيين تكون محاذية لقطاع غزة وامتدادا له تساوي خمسة اضعاف المساحة الحالية للقطاع لتقام عليها الدولة الفلسطينية.

وجاء في ذات التقرير ان المساحة التي عرضها السيسي على عباس تساوي 1600 كيلومترا مربعا على شكل مربع ملاصق لقطاع غزة لتصبح المساحة الاجمالية لقطاع غزة بإضافة الأراضي الجديدة من سيناء، دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على ان تكون منزوعة السلاح ويعود اليها جميع اللاجئين الفلسطينيين من الشتات.

وإضافة الى الدولة الفلسطينية بمساحتها واراضيها الجديدة، تبقى المدن الفلسطينية في الضفة الغربية تحت إدارة ذاتية فلسطينية كاملة، أي ان الفلسطينيين يديرون امورهم المدنية بصورة مستقلة تماما.

وفي المقابل يتوجب على الفلسطينيين التنازل عن مطلبهم بدولة مستقلة على حدود 67 الذي يرفعونه حاليا إذ ان الفلسطينيين بهذا سيحصلون على تعويض بأراض من سيناء تفوق مساحة الأراضي التي يطالبون بها حاليا وهو ما سيسهل التوصل الى حل لكل معضلات الحدود بين إسرائيل والفلسطينيين، وفق تقرير إذاعة الجيش الإسرائيلي.

وللأمانة فإن الخارجية المصرية التابعة لحكومة السيسي نفت في بيان لها ما نقلته وسائل الاعلام عن اقتراح لعبد الفتاح السيسي خلال لقائه محمود عباس بمنح الفلسطينيين منطقة في سيناء. ووصف المتحدث باسم الخارجية هذه التقارير بأنها "مزاعم وأكاذيب وعارية تماما عن الصحة".

وأكد بيان الخارجية المصرية أن "هذا الأمر كان قد تم طرحه إبان حكم الرئيس الإخواني السابق محمد مرسي حينما وعد بمنح الفلسطينيين جزء من سيناء لإقامة دولة فلسطينية في إطار المخططات الخبيثة للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، في تخل صريح عن الالتزام بمبدأ قدسية التراب الوطني لاسيما في هذه البقعة الغالية من أرض الوطن التي دفع الآلاف من المصريين دماءهم ثمنا لاستردادها"!!!

في 09/11/2015 جاء في تقرير للباحث والمختص في الشأن الاسرائيلي د. صالح النعامي نشره موقع عربي 21:

"قالت إذاعة الجيش الإسرائيلي، وصحيفة معاريف الإسرائيلية، إن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، يحاول مجددا التغطية على مقترح تقدم به رئيس الانقلاب في مصر عبد الفتاح السيسي في أيلول/ سبتمبر من العام الماضي وتضمن إقامة دولة فلسطينية داخل سيناء مقابل تنازل الفلسطينيين عن حق العودة.

 وعاد عباس لاتهام الرئيس المصري محمد مرسي بأنه عرض عليه إقامة دولة فلسطينية في سيناء، وهو ما يتنافى مع ما جاء في تقرير بثته كل من إذاعة الجيش، وقناة التلفزة الإسرائيلية الثانية في 8 أيلول/ سبتمبر 2014.

وجاء فيه أن السيسي عرض على عباس بعد أسبوعين من توقف الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، إقامة دولة فلسطينية في شمال سيناء تبلغ مساحتها خمسة أضعاف قطاع غزة، على أن يحصل الفلسطينيون في الضفة الغربية على حكم ذاتي فقط ويتنازل اللاجئون الفلسطينيون عن حق العودة.

ونوهت إلئيت شاحر، المراسلة السياسية لإذاعة الجيش الإسرائيلي، التي كانت أول من كشف طابع العرض الذي طرحه السيسي على عباس، أن الإدارة الأمريكية هي التي طلبت من النظام في القاهرة تبني الاقتراح وعرضه على عباس.

 أوضحت شاحر أن السيسي الذي التقى عباس في الخامس من أيلول/ سبتمبر 2014 اقترح عليه أن يتم إقامة الدولة الفلسطينية على 1600 كلم مربع من مساحة سيناء، بحيث تكون هذه المساحة امتدادا لقطاع غزة.

 ونوهت شاحر إلى أن السيسي طالب أبو مازن بأن يعلن مقابل ذلك التنازل عن المطالبة بالعودة إلى حدود العام 1967.

 وأوضحت أن السيسي عرض خطته على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل طرحها على عباس، مشيرة إلى أن نتنياهو رفض طرحها على أعضاء المجلس الوزاري المصغر لشؤون الأمن، الذي يعد أهم حلقة صنع قرار في إسرائيل، خشية أن يقوم الوزراء بتسريبها للإعلام.

 وأقرت شاحر بأنه على الرغم من الضغوط الكبيرة التي مارسها السيسي على عباس لقبول الخطة إلا أنه رفضها بشكل مطلق.

 ومن الواضح أن خطة السيسي تضمن لإسرائيل ليس فقط الاحتفاظ بالمستوطنات اليهودية في الضفة الغربية والقدس، بل تمنحها الحق في تعزيز المشاريع الاستيطانية والتهويدية، على اعتبار أن قبول الفلسطينيين بالحكم الذاتي يعني تنازلهم عن الحق في السيادة على الأرض.

 ولفتت شاحر الأنظار إلى أن خطة مماثلة كان قد طرحها رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي الأسبق الجنرال جيورا أيلاند قبل تسع سنوات كانت أكثر إيلاما لإسرائيل لأنها تضمنت أن تتنازل إسرائيل لمصر عن أراضي في النقب مقابل الأراضي التي ستتنازل عنها مصر في سيناء لصالح الدولة الفلسطينية.

 ويذكر أن جنرال إسرائيلي قد وصف السيسي مؤخرا بأنه "ذخر استراتيجي" لإسرائيل بسبب إحباطه التحول الديمقراطي في مصر.

 وفي مقال نشرته صحيفة "معاريف" في عددها الصادر في 30 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أوضح الجنرال آفي بنياهو، الناطق الأسبق باسم الجيش الإسرائيلي أن إفشال السيسي للتجربة الديمقراطية في مصر عمل على استقرار المنطقة وهو ما يمثل مصلحة إسرائيلية.

 وأشار بنياهو إلى أن أخطر نتائج الدمقرطة في مصر تمثلت في "اكتساح" الإخوان المسلمين للبرلمان ومؤسسات الرئاسة."

 هذه المرة لم يصدر اي تكذيب من الخارجية المصرية التابعة للسيسي!

في 05/04/2016 عاد الحديث مجدداً عن مشروع السيسي حيث كشف الباحث الإسرائيلي والضابط السابق في سلاح الاستخبارات العسكرية ماتي ديفد أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عرض على الرئيس الفلسطيني محمود عباس خطة لإقامة دولة فلسطينية في شبه جزيرة سيناء، بحسب تقرير تفصيلي نشرته وكالات الأنباء حول العالم ومنها موقع الجزيرة نت.

وتقضي الخطة - حسبما أورده ديفد في مقال له بموقع "نيوز ون الإخباري"- بنقل ما مساحته 1600 كلم2 من الأراضي المصرية في سيناء إلى السلطة الفلسطينية.

وأضاف أن حل الدولتين آخذ في التراجع رويدا رويدا، مؤكدا أن هذه قناعة العديد من الأطراف المهتمة بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني، سواء بالنسبة لإدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما أو اللجنة الرباعية والاتحاد الأوروبي، وصولا إلى الإسرائيليين والفلسطينيين أنفسهم. وبات السياسيون والدبلوماسيون من هذه الأطراف يتحدثون عن ذلك بملء أفواههم، ويعلنون أن هذا الحل بات غير ممكن التطبيق وغير عملي، في ضوء التطورات التي تشهدها المنطقة.

وأوضح ديفد أن خطة السيسي المقدمة لعباس تقضي بضم أراض مصرية في سيناء إلى قطاع غزة، بما في ذلك توسيع القطاع الساحلي عدة كيلومترات، وهو ما سيسفر عن تكبير مساحة قطاع غزة إلى خمسة أضعاف ما هي عليه اليوم.

وذكر الضابط السابق في سلاح الاستخبارات العسكرية أنه من المقرر أن يُستقدم إلى هذه الدولة الفلسطينية بسيناء اللاجئون الفلسطينيون من مخيمات لبنان وسوريا، على أن تكون هذه الدولة منزوعة السلاح.

وحسب الخطة المصرية وفق الرواية الإسرائيلية، فإن السلطة الفلسطينية ستحصل على حكم ذاتي في المدن الفلسطينية بالضفة الغربية، مقابل أن يتنازل عباس عن مطالبته من إسرائيل بالعودة إلى حدود العام 1967، وحق العودة للاجئين، حيث إن الأميركيين موجودون في صلب النقاش حول هذه الخطة، بينما حصل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو على تفاصيلها.

وتحدث الكاتب في المقال ذاته عن خطة أخرى للجنرال غيورا آيلند الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي والرئيس السابق لقسم التخطيط في الجيش، وهو أحد أصحاب العقول الاستراتيجية في الدولة العبرية، تقضي باعتبارها بديلا عن حل الدولتين.

وتقضي خطة "آيلند" -التي نشرها مركز بيغن/السادات للدراسات الاستراتيجية بجامعة بار إيلان- بإجراء تبادل أراض بين عدة أطراف منخرطة في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، بحيث تقوم مصر بنقل ما مساحته 720 كلم2 من أراضي سيناء إلى الفلسطينيين، بما فيها 24 كلم2 على طول ساحل البحر المتوسط، وهو ما سيضاعف مساحة قطاع غزة إلى ثلاثة أضعاف، وهذه المساحة تساوي 12% من مساحة الضفة الغربية.

وتذكر هذه الخطة أنه مقابل ما سيقدمه المصريون للفلسطينيين في سيناء، سيتنازل الفلسطينيون لإسرائيل عما مساحته 12% من مساحة الضفة الغربية، على أن تحصّل مصر من إسرائيل ما مساحته 720 كلم2 من أراضي صحراء النقب.

وهذه المرة أيضاً لم يصدر أي تكذيب أو نفي من عسكر مصر وحكومتهم...

ولا نفي من قبل سلطة رام الله...

وماذا بعد؟

لن يتوقف العسكر عن طرح المشاريع التي تنقذ الاحتلال وتنتشله فهذا دورهم ومهمتهم...

الفرق بين الخمسينيات من القرن الماضي وهذه الأيام أن الناس في حينها خرجوا وتظاهروا ورفضوا واليوم لا نسمه لهم راي...

الفرق بين التسريب الأول عن مشروع السيسي وتسريبات اليوم أنه لا نفي من خارجية ومن غيرها

والفرق بين مواقف عباس المبنية على الانتهازية والتزوير والبهتان بحق الرئيس مرسي وبين موقفه اليوم من السيسي هو الصمت التواطؤي مع ما يطرحه السيسي وعسكره

والأهم أن فصائل العمل الوطني والاسلامي لم تعلق لا رفضاً ولا قبولاً!

لا يختلف السيسي عن عبد الناصر ولا عسكر ذلك الوقت مع عسكر اليوم...

ذات العقلية والأدوات والأساليب والمشاريع!

ولن يختلف أيضاً سقوطها تلك أمام إرادات الشعوب...

فمن أسقط كل مشاريع التهجير والتوطين والوطن البديل والدولة المسخ لعقود من الزمن سيسقط كل المشاريع الحالية واللاحقة...

لأنه وبكل بساطة ووضح

 لا بديل عن فلسطين...

كل فلسطين...

إلا فلسطين!

 وإلى فلسطين وفلسطين فقط...

تكون العودة...

 

ثالثاً:

بنود صفقة القرن بحسب تقرير قدمه أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات – من 92 صفحة – في شهر يناير/كانون الثاني 2018 للمجلس المركزي لمنظمة التحریر في دورته 28

  1. الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائیل ونقل السفارة الأمیركیة إلیھا، وبالتالي لا یمكن لأي حكومة إسرائیلیة في المستقبل أن تتفاوض حول القدس بعد اعتراف الإدارة الأمیركیة بھا كعاصمة لإسرائیل (دولة للشعب الیھودي)
  2. ستقوم إدارة ترمب بایجاد عاصمة لدولة فلسطین في ضواحي القدس (خارج إطار 6كم2) عام 1967
  3. الإعلان خلال شھرین أو ثلاثة على أبعد حد، على موافقة الإدارة الأمیركیة على ضم الكتل الاستیطانیة.. رئیس الوزراء الاسرائیلي بنامین نتانیاھو یطرح ضم 15، %فیما یقترح ترمب 10% وھذا ما قرره حزب اللیكود بالإجماع یوم 2017/12/31
  4. ستقوم إدارة ترمب بعد ذلك بالإعلان عن مفھوم أمني مشترك لدولة الاحتلال ودولة فلسطین كشركاء في السلام یشمل

أ- دولة فلسطینیة منزوعة السلاح مع قوة أمنیة قویة

ب- تعاون أمني ثنائي وإقلیمي ودولي

ت- وجود قوات إسرائیلیة على طول نھر الأردن والجبال الوسطى بالضفة، وذلك لحمایة الدولتین بیدھا لحالات الطوارئ، Overriding securtity responsibilities

ث- تبقي إسرائیل على صلاحیات الأمن القصوى

  1. تنسحب القوات الإسرائیلیة وتعید تموضعھا تدریجیاً، خارج المناطق (أ + ب)، مع إضافة أراض جدیدة من المنطقة (ج)، وذلك حسب الأداء الفلسطیني (الزمن - لم یحدد)، وتعلن دولة فلسطین بھذه الحدود
  2. تعترف دول العالم بدولة إسرائیل كوطن قومي للشعب الیھودي
  3. تعترف دول العالم بدولة فلسطین كوطن قومي للشعب الفلسطیني
  4. تقوم إسرائیل بضمان حریة العبادة في الأماكن المقدسة للجمیع مع الابقاء على الوضع القائم بھا Status quo
  5. یتم تخصیص أجزاء من مینائي اسدود وحیفا ومطار اللد للاستخدام الفلسطیني، على أن تكون الصلاحیات الأمنیة بید دولة إسرائیل
  6. سوف یكون ھناك ممر آمن بین الضفة وقطاع غزة تحت سیادة دولة الاحتلال
  7. المعابر الدولیة ستكون بمشاركة فلسطینیة فاعلة وصلاحیات الأمن القصوى بید الاحتلال
  8. المیاه الإقلیمیة والأجواء والموجات الكھرومعناطیسیة تحت سیطرة دولة الاحتلال، دون الإجحاف بحاجات دولة فلسطین
  9. حل عادل لقضیة اللاجئين من خلال دولة فلسطين
  10. الابقاء على الحدود النھائیة وقضايا الوضع الدائم الى ان یتم الاتفاق علیھا بین الجانبین ضمن جدول زمني محدد ومتفق علیه

 

رابعاً:

تقرير موقع "ديبكا" المقرب من الاستخبارات الإسرائيلية عن صفقة القرن – بتاريخ 20/05/2018

كشف موقع "ديبكا" القريب من الاستخبارات الإسرائيلية، الأحد، عن ملامح خطة السلام الأمريكية في الشرق الأوسط المعروفة إعلاميا بـ"صفقة القرن"، وسط مؤشرات عن اعتزام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الإعلان عنها في منتصف أو آواخر شهر يونيو بعد نهاية شهر رمضان.

وقال "ديبكا" إن ترامب يرى أن خطته للسلام هي نقطة انطلاق لتشكيل مسار للعلاقات الإسرائيلي العربي، على الرغم من الرفض الفلسطيني للحديث عن الصفقة المطروحة.

ونقلت وكالة "أسوشيتيد برس" نقلا عن خمسة مسؤولين أمريكيين بارزين لم تسمهم، أن ترامب سيعلِن عن "صفقة القرن" بعد شهر رمضان الحالي.

وكان اعتراف ترامب بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل في ديسمبر أثار غضب الفلسطينيين الذين قالوا إن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على العمل كوسيط نزيه في أية عملية سلام مع إسرائيل.

ووفقًا لـ"ديبكا"، ناقش الرئيس الأمريكي مضمون خطة السلام مع زعماء عرب، بما في ذلك ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني والرئيس عبد الفتاح السيسي، فضلًا عن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

وبحسب التقرير، أطلع البيت الأبيض الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على الخطة، لكنه رفضها، وذلك قبل أن يتسبب في أزمة مع إسرائيل على خلفية أحداث غزة.

واستعرض الموقع الإسرائيلي الخطوات المتوقعة قبل إعلان الخطة، وكيفية تفعيلها، وجاءت كالتالي:

1- سيتم الإعلان عن الخطة في الموعد المقرر بواسطة الولايات المتحدة، بغض النظر عن مقاطعة الرئيس الفلسطيني محمود عباس والقيادة الفلسطينية.

2- لن تعلن الحكومات العربية المعنية تفاصيل الخطة كاملة، لإجراء مزيد من المناقشات للتوصل إلى اتفاق سلام نهائي بين الفلسطينيين وإسرائيل.

3- يميل البيت الأبيض ومصر ودول الخليج إلى البحث عن شخصيات فلسطينية تعيش خارج نطاق السلطة الفلسطينية، والتي لديها وجهات نظر مختلفة من نخبة رام الله، وستكون على استعداد للدعم الخطة.

4- من المقرر أن يصدر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بيانًا يقترح فيه أن خطة ترامب هي نقطة انطلاق للمفاوضات الفورية مع الحكومات العربية حول بعض النقاط المقبولة لدى الطرفين.

5- يقوم المسؤولون عن رسم خطة السلام وهم جاريد كوشنر، ومبعوث واشنطن للسلام في الشرق الأوسط جيسون جرينبلات بإطلاع الحلفاء والشركاء في المنطقة على الخطوات الأمريكية من مرحلة إلى المرحلة التالية.

6- خطة ترامب ليست وثيقة نهائية، لكنها مصممة لتوليد زخم للحكومات العربية الرئيسية، ولا سيما الدول الخليجية الثلاث ومصر، للجلوس مع الولايات المتحدة وإسرائيل واستئناف محادثات السلام.

ونقل الموقع الاستخباراتي عن مصادر وصفها بالمطلعة أن الإدارة الأمريكية حددت بعض النقاط قبل الإعلان عن الخطة، والتي جاءت كالأتي:

1- ستقام دولة فلسطينية ذات سيادة محدودة عبر نصف الضفة الغربية وكل قطاع غزة.

2- تحتفظ إسرائيل بالمسؤولية الأمنية لمعظم الضفة الغربية ومعابر الحدود.

3- سيبقى وادي الأردن تحت السيادة الإسرائيلية والسيطرة العسكرية.

4- تنضم الأحياء العربية في القدس الشرقية إلى الدولة الفلسطينية، باستثناء المدينة القديمة، التي ستكون جزءًا من "القدس الإسرائيلية".

5- "أبو ديس" شرق القدس هي العاصمة المقترحة لفلسطين.

6- سيتم دمج غزة في الدولة الفلسطينية الجديدة بشرط موافقة حماس على نزع السلاح.

7- لا تتطرق الخطة إلى اللاجئين الفلسطينيين، ولكن سيتم إنشاء آلية تعويض وإدارة من قبل المجتمع الدولي.

8- تنص خطة ترامب على الاعتراف بإسرائيل كوطن للشعب اليهودي، وفلسطين بسيادة محدودة كوطن للفلسطينيين.

9- ستتشارك فلسطين والأردن السلطة الدينية على الأماكن الإسلامية المقدسة في مدينة القدس.

 

خامسا:

تقرير قناة الجزيرة عن صفقة القرن في 04/02/2018

صفقة القرن.. هكذا يرى ترمب حل القضية الفلسطينية

بعد نحو قرن من الزمن على وعد بلفور، عرضت الإدارة الأميركية الحالية، وبالتشاور مع أطراف عربية نافذة -حسب مصادر إعلامية وسياسية عديدة- رؤيةً جديدة لتسوية القضية الفلسطينية دأبت وسائل الإعلام على وصفها بصفقة القرن.

ودخل مطلح "صفقة القرن" دائرة التداول السياسي والإعلامي منذ تولي دونالد ترمب منصب الرئاسة الأميركية، وبدأت تتكشف خيوطها شيئا فشيئا وسط غموض جديد يحيط بمضامينها وأطرافها، فضلا عن استحقاقاتها السياسية والاقتصادية والأمنية.

تجمع وسائل الإعلام على أن جاريد كوشنر صهر ومستشار ترمب هو عراب صفقة القرن، ويضم فريقه عددا محدودا من الأعضاء، وبينهم جيسون غرينبلات (المبعوث الأميركي لعملية السلام في الشرق الأوسط)، وهو يهودي أرثوذكسي عمل محاميا في مجال العقارات وكان مقربا لترمب منذ عقود.

وتتحدث وسائل الإعلام العالمية عن زيارات سرية ومعلنة قام بها كوشنر وفريقه إلى عواصم إقليمية تعتبرها واشنطن أهم مفاتيح المنطقة، وأهم أدوات الترويج لصفقة القرن المثيرة، ومن بينها الرياض والقاهرة وتل أبيب.

تسريبات

ورغم أن صفقة القرن لم تعلن حتى الآن بشكل رسمي؛ فإن العديد من تفاصيلها تسربت خلال الشهور الماضية عبر وسائل إعلام عربية وغربية، وعلى لسان أكثر من مسؤول من هذا الطرف أو ذاك.

ويقول مسؤولون أميركيون إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيكشف قبل منتصف العام الجاري عن خطة لتسوية الصراع الفلسطيني. وأوضحوا أن هذه الخطة ستكون شاملة، وتتجاوز الأطر التي وضعتها الإدارات الأميركية السابقة، وتتناول كل القضايا الكبرى، بما فيها القدس والحدود واللاجئون، وتكون مدعومة بأموال من السعودية ودول خليجية أخرى لصالح الفلسطينيين.

وقال عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أحمد مجدلاني في مقابلة مع تلفزيون فلسطين (يناير/كانون الثاني 2018) إن المقترحات الأميركية نقلت إلى الفلسطينيين عن طريق الجانب السعودي. وأضاف أن الصفقة تقوم على تصفية القضية الفلسطينية وإنشاء حلف إقليمي ضد النفوذ الإيراني في المنطقة تكون إسرائيل جزءا منه.

وفي الوقت ذاته، كشف موقع "ميدل إيست آي" البريطاني عما قال إنها تفاصيل حصل عليها حصرا لمضمون خطة الرئيس الأميركي ترمب بشأن عملية التسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين التي درجت بعض وسائل الإعلام على وصفها "بصفقة القرن".

وبحسب ما كشفه الموقع -نقلا عن مسؤول غربي اشترط عدم الكشف عن هويته- فإن الصفقة تشمل ما يلي:

- إقامة دولة فلسطينية تشتمل أراضيها على قطاع غزة والمناطق "أ" و"ب" وبعض أجزاء من منطقة "ج" في الضفة الغربية.

- قيام الدول المانحة بتوفير عشرة مليارات دولار لإقامة الدولة التي ستشتمل بنيتها التحتية على مطار وميناء في غزة، ومساكن ومشاريع زراعية ومناطق صناعية ومدن جديدة.

- تأجيل وضع مدينة القدس وموضوع عودة اللاجئين إلى مفاوضات لاحقة.

- ستشمل المفاوضات النهائية محادثات سلام إقليمية بين إسرائيل والأقطار العربية بقيادة المملكة العربية السعودية.

من جهتها، نقلت صحيفة القبس الكويتية في ديسمبر/كانون الأول الماضي عن مصدر فلسطيني مسؤول قوله إن الصفقة تتضمن التخلي عن فكرة حل الدولتين، وتقفز على ملفات القدس واللاجئين والمستوطنات، وتقترح سلاما إقليميا في مواجهة إيران، وترفض أي سيادة على المنطقة الممتدة بين البحر المتوسط ونهر الأردن سوى السيادة الإسرائيلية، وتبقي على القدس موحدة وعاصمة وحيدة لإسرائيل، مع رفض عودة اللاجئين حتى إلى المناطق الفلسطينية.

دولة "بلا سيادة"

وقبل أيام نشرت وكالة أنباء الأناضول ما قالت إنه تفاصيل متعلقة بمضامين صفقة القرن، وردت ضمن التقرير السياسي الذي قدمه أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير صائب عريقات لاجتماع المجلس المركزي الفلسطيني في اجتماعه الأخير الذي عُقد يومي 14 و15 يناير/كانون الثاني الماضي بمقر الرئاسة الفلسطينية في رام الله.

وأورد عريقات في تقريره 13 بندا، تحمل الخطوط العريضة للخطة الأميركية، وأولها "الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارتها إليها". وتشمل الخطة -وفقا للمصدر ذاته- ضم الكتل الاستيطانية الكبرى بالضفة لإسرائيل، وإعلان قيام دولة فلسطينية منزوعة السلاح، وإبقاء السيطرة الأمنية لإسرائيل، إلى جانب الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، مع انسحابات تدريجية لإسرائيل من مناطق فلسطينية محتلة.

ويتمثل البند الثاني -حسب عريقات- في "اختراع إدارة الرئيس ترمب عاصمة لدولة فلسطين في ضواحي القدس خارج إطار ستة كيلومترات عن حدود عام 1967"، وسيتم الإعلان خلال شهرين أو ثلاثة على أبعد حد على موافقة إدارة ترمب على ضم الكتل الاستيطانية، على أن تقوم إدارة ترمب بعد ذلك بالإعلان عن "مفهوم أمني مُشترك لدولة إسرائيل ودولة فلسطين كشركاء في السلام".

ويشمل هذا المفهوم أربع نقاط: أن دولة فلسطين "منزوعة السلاح مع قوة شُرطية قوية"، و"إيجاد تعاون أمني ثنائي وإقليمي ودولي، وبما يشمل مشاركة الأردن ومصر وواشنطن، وسيكون الباب مفتوحا أمام دول أخرى، و"وجود قوات إسرائيلية على طول نهر الأردن والجبال الوسطى لحماية الدولتين"، وأخيرا "تُبقى إسرائيل على صلاحيات الأمن القصوى، بيدها لحالات الطوارئ".

ويذكر عريقات أن الخطة تنص على اعتراف دول العالم بدولة إسرائيل "كوطن قومي للشعب اليهودي، وبدولة فلسطين كوطن قومي للشعب الفلسطيني". على أن تضمن إسرائيل حرية العبادة في الأماكن المُقدسة للجميع، مع الإبقاء على الوضع القائم بها حاليا.

ويعقب عريقات في التقرير على الخطة بقوله "هذه هي معالم الصفقة التاريخية التي سوف تسعى إدارة الرئيس ترمب لفرضها على الجانب الفلسطيني"، ويدعو إلى رفضها بشكل كامل حيث تؤسس لإقامة حكم ذاتي أبدي.

أطوار التشكل

ورغم أن مصطلح "صفقة القرن" جديد، فإن مضامين خطة ترمب ليست جديدة كلها؛ فقد جرى الحديث عن جزء منها عام 2006 ضمن ما عرف بتفاهمات أولمرت-عباس، التي قيل حينها إنها مشاريع اتفاقات تنتظر نتائج الانتخابات الإسرائيلية التي جرت بغير ما تشتهيه سفينة أولمرت.

وفي عام 2010 كتب مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق جيورا أيلاند مقترحا بأحد حلَّين لتسوية القضية الفلسطينية: أحدهما فدرالية أردنية-فلسطينية؛ من خلال إعادة تأسيس الدولة الأردنية على شكل ثلاث ولايات: الضفة الشرقية، والضفة الغربية، وقطاع غزة.

والثاني تبادل المناطق: وهو مبني على أساس أن تتنازل مصر عن 720 كيلومترا مربعا من أراضي سيناء لصالح الدولة الفلسطينية المستقبلية، بإضافة مستطيل يمتد من رفح إلى حدود مدينة العريش طوله 24 كيلومترا وعرضه ثلاثون كيلومترا.

ومع أن مقترحات أيلاند لم تترجم إلى خطة رسمية معلنة؛ فقد كشفت صحيفة هآرتس الإسرائيلية في 19 فبراير/شباط 2017 عن لقاء سري عقد بالعقبة (الأردن) أيام إدارة أوباما، وتحديدا في 21 فبراير/شباط 2016، وتم بحضور بنيامين نتنياهو وجون كيري وعبد الفتاح السيسي وعبد الله الثاني، ونوقشت خلاله أفكار "جديدة" للحل "النهائي، وطُرحت خطة إعطاء أراضٍ من سيناء للفلسطينيين.

صفعة القرن

وبينما تعد أطراف عربية الخطى لإقناع الفلسطينيين بخطة ترمب، أعلنت السلطة الفلسطينية رفضها الكامل للصفقة، ووصفها الرئيس محمود عباس "بصفعة القرن"، وقال في اجتماع المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية منتصف الشهر الماضي إن مشروع الرئيس ترمب لحل القضية الفلسطينية مرفوض، وأكد أن إسرائيل أنهت مسار أوسلو، وأنه لا مجال للتنازل عن القدس عاصمة لدولة فلسطين. وهو الموقف ذاته الذي عبرت عنه أطراف فلسطينية أخرى بصيغ مختلفة، وأجمعت كلها على رفض الخطة ودعت لمواجهتها وإسقاطها.

وبينما تتضاءل فرص نجاح المروجين للصفقة في تحقيق اختراق جدي يسمح بتمريرها، يواصل المسؤولون الأميركيون حشد التأييد لها إقليميا ودوليا، بالتزامن مع خطوات عدة اتخذتها إدارة ترمب فُسرت على أنها بداية تطبيق عملي للصفقة، ومن ذلك قرار اعتبار القدس عاصمة أبدية وموحدة لإسرائيل، والتنكر لقضايا الحل النهائي، وحجب الدعم عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا).

وقال المبعوث الأميركي لعملية السلام في الشرق الأوسط جايسون غرينبلات إن صفقة القرن التي تسعى واشنطن لتنفيذها في المنطقة باتت في مراحلها الأخيرة، جاء ذلك خلال لقاء جمع غرينبلات وقناصل دول أوروبية معتمدين في القدس المحتلة.

ونقلت وسائل إعلام -عن أحد المشاركين في اللقاء- أن غرينبلات أكد للمسؤولين الأوروبيين أن الخطة الأميركية الجاري إعدادها تشمل الإقليم، وأن الفلسطينيين أحد أطرافها، لكنهم ليسوا الطرف المقـرِّر فيها.

ولكن الخبير الإسرائيلي في الشؤون العربية بموقع "نيوز ون" الإخباري يوني بن مناحيم اعتبر أن فرص نجاح ما تعرف "بصفقة القرن" تتراجع، في ظل غياب الأفق السياسي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وانشغال الولايات المتحدة والدول العربية بخلافاتها الداخلية، فضلا عن اصطدامها ببعض العقبات المفاجئة مثل الأزمة الخليجية.

 

سادساً:

صفقة القرن قراءة في الأبعاد والمسارات - محمد أبو سعدة 02/03/2018

مقدمة

كثر الحديث مؤخراً، عن شيء يجهز في دهاليز السياسة الامريكية وذلك بالتنسيق مع دول اقليمية عرفت باسم بـ “صفقة القرن”، والتي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية. إلا أن المستويات الفاعلة في الصفقة سواء القوى الاقليمية أو الدولية، تشير أن ما يجهز ليس خاصا بالقضية الفلسطينية فحسب، بل يشمل منطقة الشرق الأوسط بالكامل، ومن هنا تأتي أهمية استشراف شكل صفقة القرن القادمة بأبعادها المختلفة، وذلك على النحو التالي:

أصل التسمية؟

مصطلح “صفقة القرن” ليس جديداً، بل تردد سنة 2006م، عندما تمّ الحديث عن عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك أولمرت، أو ما عُرف بـتفاهمات أولمرت/عباس”؛ وما تسرب حينها من أنها اتفاقات تنتظر الانتخابات الإسرائيلية ونتائجها، وهي الانتخابات التي لم تأت بما يشتهي أولمرت.

وفي 20 سبتمبر/أيلول 2017م، تمت إعادة طرح المصطلح مع وجود إدارة ترامب في الولايات المتحدة، وتوفر البيئة الإقليمية والدولية الداعمة للسعي في استكمال المخططات.

محاور الصفقة

أولاً: المحور الجيوبولتيكي

الحلول الجغرافية التي قُدمت لحل القضية الفلسطينية يمكن ايجازها على النحو التالي:

(أ) مشروع الجنرال جيورا ايلاند: القاضي بضم ثلاثة أضعاف مساحة قطاع غزة، من سيناء، وإقامة ميناء بحري ومطار دولي. مقابل منح مصر 600 كيلومتر من صحراء النقب جنوب إسرائيل.

(ب) خطة أفيغدور ليبرمان وزير الدفاع الصهيوني عام 2004: وتشمل ضم الكتل الاستيطانية “لإسرائيل” في الضفة الغربية، مقابل ضم أراضٍ يسكنها عرب خاضعة للسيطرة “الإسرائيلية” (المثلث) إلى الدولة الفلسطينية المستقبلية.

(ج) خطط نفتالي بينت (الوزير في حكومة نتنياهو وعضو المجلس الوزاري المصغر) التي طرحها عام 2016 وتحدث فيها عن ضم المنطقة المصنفة (C ) في الضفة الغربية حسب اتفاق أوسلو والتي تبلغ حوالي 61% من مساحة الضفة الغربية إلى “إسرائيل”، وخلق شبكة تواصل في الضفة الغربية تشمل طرقاً وأنفاقاً وربما جسوراً.

(د) خطة إسرائيل كاتس (وزير المواصلات في حكومة نتنياهو) المتعلقة بقطاع غزة، وتشمل بناء جزيرة اصطناعية في بحر غزة على بعد 4.5 كم تتصل بالساحل بواسطة جسر خاضع للتفتيش، وتضم الجزيرة ميناء ومنشآت للطاقة وربما أيضاً مطاراً3 .

وفي سياق الجدل حول الصفقة، تعددت التصريحات والبيانات، ومن ذلك:

تصريحات عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أحمد مجدلاني -في 9 يناير/كانون الثاني 2018- أن مقترحات ما يُعرف بصفقة القرن تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية، وذلك من خلال تبادل أراضٍ، بعد أن يتم توسيع قطاع غزة على حساب سيناء، وتوسيع دولة الاحتلال الاسرائيلي على حساب الكتل الاستيطانية المتواجدة في الضفة الغربية ومناطق الغور الاردنية. لتصبح الدولة الفلسطينية على النحو التالي: قطاع غزة الموسع، على حساب سيناء، بداخله ميناء ومطار دولي تحت مراقبة دولية، ومناطق الضفة الغربية (أ، ب) تتصل فيما بينهم بطريقة اتصال (مترو انفاق، قطار سريع، معبر أمن)، مع حق اسرائيل في الاحتفاظ بضمانات أمنية (جوية وبرية وبحرية) بالشكل الذي يفقد الدولة الفلسطينية المتوقعة صفقتها السيادية، بمعني حكم ذاتي وظيفي موسع.

وسيستفيد سكان غزة من إنشاء ميناء دولي كبير (في القطاع الغربي من غزة الكبرى)، ومطار دولي على بعد ٢٥ كم من الحدود مع الكيان الصهيوني. والأهم، بناء مدينة جديدة تستوعب مليون شخص على الأقل، وتشكل منطقة تطور ونمو طبيعي لسكان غزة والضفة، بل ويمكنها استيعاب أعداد من اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في دول أخرى.

ما تناوله كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات في تقرير له يتكون من 12 بنداً، تحمل الخطوط العريضة للخطة الأمريكية:

  • الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني ونقل سفارتها إليها.
  • اختراع إدارة الرئيس ترامب عاصمة لدولة فلسطين في ضواحي القدس (خارج إطار 6 كيلومتر) عن حدود عام 1967.
  • الإعلان خلال شهرين أو ثلاثة على أبعد حد، على موافقة إدارة الرئيس ترامب على ضم الكتل الاستيطانية “. وهي مسألة لا تزال قد التباحث الامريكي الصهيوني، فالرئيس الصهيوني نتنياهو يطرح ضم 15%، فيما يقترح ترامب 10%.
  • الإعلان عن “مفهوم أمني مُشترك للدولة العبرية ودولة فلسطين كشركاء في السلام، ويشمل هذا المفهوم، أربع نقاط، وهي أن دولة فلسطين “منزوعة السلاح مع قوة شُرطية قوية”، وإيجاد تعاون أمني ثنائي وإقليمي ودولي وربما يشمل مشاركة الأردن ومصر وواشنطن والباب سيكون مفتوح أمام دول أخرى، مع “وجود قوات إسرائيلية على طول نهر الأردن والجبال الوسطى، وذلك لحماية الدولتين”، وأخيرا “يبقى الكيان الصهيوني على صلاحيات الأمن القصوى، بيدها لحالات الطوارئ.
  • انسحاب القوات الصهيونية، وإعادة تموضعها تدريجياً، خارج المناطق (أ + ب)، في الضفة الغربية، مع إضافة أراضي جديدة من المنطقة (ج)، وذلك حسب الأداء الفلسطيني (دون تحديد جدول زمني) وتعلن دولة فلسطين بهذه الحدود “. وتمثل المناطق “أ” نحو 18% من مساحة الضفة، وتسيطر عليها السلطة الفلسطينية أمنيًا وإداريًا، فيما تمثل المناطق “ب “21%، وتخضع لإدارة مدنية فلسطينية وأمنية صهيونية. بمعني ان تكون الدولة الفلسطينية، على مساحة قطاع غزة الموسع، 39% من مساحة الضفة الغربية.
  • اعتراف دول العالم، بدولة عبرية “كوطن قومي للشعب اليهودي، وبدولة فلسطين كوطن قومي للشعب الفلسطيني.
  • يقوم الكيان الصهيوني، بضمان حرية العبادة في الأماكن المُقدسة للجميع مع الإبقاء على الوضع القائم بها حاليا.
  • على الكيان الصهيوني تخصيص أجزاء من مينائي أسدود وحيفا، ومطار اللد للاستخدام الفلسطيني، على أن تكون الصلاحيات الأمنية بيد الدولة العبرية.
  • إيجاد ممر آمن بين الضفة وقطاع غزة تحت سيادة الصهيونية.
  • أن تكون “المياه الإقليمية، والأجواء، والموجات الكهرومغناطيسية”، تكون تحت سيطرة الصهاينة، دون الإجحاف بحاجات دولة فلسطين.
  • إيجاد “حل عادل لقضية اللاجئين من خلال دولة فلسطين “.

وبعد استعراض أهم المخططات الجغرافية الخاصة في الصراع العربي الاسرائيلي، يمكن القول ان الدولة الفلسطينية ربما ستتكون من 39% من الضفة الغربية، وقطاع غزة الموسع على حساب سيناء، ومنزوعة السيادة. (انظر الشكل في الاسفل).

ثانياً: مصر وصفقة القرن

من المفضل نسيان الشكل الجغرافي الذي حددته خطة غيور آيلاند – ذات الشكل الرباعي – وذلك لخطورتها الأمنية على دولة الاحتلال الاسرائيلي، فإسرائيل غير معنية بتوسيع حدودها مع قطاع غزة، كما لا يعقل أن تضع اسرائيل حدودها مع غزة على شكل حرف (Z) والتي تتقاطع مع المعبر التجاري المعروف باسم كرم أبو سالم، وذلك لسببين الأول، أمنيا بالنسبة للكيان الصهيوني، والثاني، اقتصاديا بالنسبة لمصر، فليس من المنطق أن تتنازل مصر عن معبر تجاري مهم. (انظر الشكل في الاسفل).

إلا أن هذا ربما لا ينفي فكرة تبادل أراضي مصرية مع دولة الاحتلال الاسرائيلي، على ان يراعي هذا التبادل النقاط التالية:

أن تكون منطقة جغرافية محدودة جدا، وفي الغالب ستكون أقل مما ذكر في خطة غيور ايلاند (720كم)، خاصة وان الحديث عن فكرة التوطين قائمة على مليون فلسطيني فقط، والمنطقة جغرافيا كبيرة على هذا العدد نوعا ما. خاصة إذا ما قورنت مع مساحة قطاع غزة (365كم) البالغ عدد سكانه 2 مليون نسمة.

لذا فمن المتوقع أن تكون منطقة تبادل الأراضي لمنطقة ما بين 100- 300 كم فقط لا غير. كما أن هذه المساحة لا تحدث تغيراً ملموساً في الخارطة الجغرافية لمصر، وربما يُصبح شكل الحدود الشرقية لمصر مع فلسطين المحتلة، مشابها لشكل حدودها الغربية مع ليبيا كخط متعرج ثم يستقيم.

ومن يرى أن المناطق العازلة الآن بين غزة وسيناء أكبر من مساحة 300 كم، فإن هذا لا يعني بالضرورة أن كل المنطقة واقعة ضمن حدود التبادل، بل سيكون جزء كبير منها منطقة عازلة بين الحدود الفلسطينية المصرية.

أن يتم توسيع جزئي لغزة على حساب جزء من سيناء، وذلك مقابل حصول مصر على أراضي من صحراء النقب الواقعة داخل حدود الكيان الصهيوني.

ألا تحتوي المناطق المستهدفة في خطة التبادل، اي أهمية اقتصادية كوجود أبار نفط او غاز، او أي اشكاليات أمنية لدي الطرفين المصري والصهيوني.

وفي حال وافق النظام المصري على صفقة القرن، فان النظام سيكون حريصا على (آليات الإخراج)، فغالبا مصر سترفض أن يتم ترحيل أهل غزة بالقوة إلى أي جزء في سيناء؛ بل في الغالب ستفضل مصر أن يتم ذلك من خلال ممارسة الضغوط السياسية (العصا) على السلطة الفلسطينية، وحركة حماس، ليوافقا على الصفقة؛ أو أن يوافق أحدهما.

مع تقديم حلول اقتصادية كبيرة (الجزرة) في منطقة جغرافية محدودة في سيناء خاضعة للإدارة الفلسطينية والمراقبة الامنية المصرية، على أن يتم انشاء ميناء ومطار دولي ومنطقة تجارية بداخلها. بحيث تُشكل عاملا جاذبا لسكان قطاع غزة أو اللاجئين الفلسطينيين في الخارج بسبب تواجد فرص العمل.

يأتي هذا في ظل وجود رغبة مصرية في تحقيق طفرة اقتصادية عبر هذه الصفقة وذلك من خلال أن تسمح تل أبيب للقاهرة بشق نفق يربط بين مصر والأردن. على أن يبلغ طول هذا النفق حوالي ١٠ كم، ويقطع الطريق من الشرق للغرب (على بعد ٥ كم من إيلات)، ويخضع للسيادة المصرية الكاملة. وذلك بعد ايصال النفق بسكة حديد مع ميناء غزة البحري المزمع إنشاؤه.

والذي من المتوقع أن تحصل مصر من خلال هذا الربط على نصيب كبير من الجمارك والرسوم مقابل كل «حركة» تتم بين الأردن والعراق ودول الخليج في اتجاه ميناء غزة أو مصر. وأن يتم اجراء تعديل على الاتفاق المصري الاسرائيلي الموقع عام 1997م” الملحق العسكري”، بالشكل الذي يسمح بتواجد قوات مصرية على الحدود بالشكل الذي يؤمن المصالح الاقتصادية المصرية. كما أنه من غير المستبعد أن تحصل مصر على محطة للطاقة النووية للأغراض السلمية لإنتاج الكهرباء في ضوء الحديث عن العملية السلمية الشمولية.

وفي حال تمت هذه الصفقة على هذا النحو فربما ستحصل مصر على جائزة نوبل للسلام كما تحتفظ القاهرة بحقها في الدعوة لمؤتمر سلام دولي في مصر، وتستعيد، مكانتها الدولية .7 وأن تشهد سيناء طفرة اقتصادية كبيرة نتيجة لوجود المنطقة التجارية الواقعة بينها وبين قطاع غزة. فمصر تأمل أن يدر هذا التبادل التجاري مع غزة فقط لوحدها دخلاً مادياً يتجاوز 2.5 مليار دولار في العام، الأمر الذي سيضاعف من حالة الضمان والأمان الاقتصادي في مصر.

ثالثاً: الأردن وصفقة القرن

هناك عوامل تدفع الأردن للترحيب بالصفقة وهناك عوامل مقلقة، أما عوامل الترحيب يمكن إيجازها في أنها تسعى إلى تحقيق طفرة اقتصادية عبر ربطها بمنظومة طرق وسكة حديدية، وأنبوب النفط، مع الميناء الدولي في غزة الكبرى عبر النفق المصري الأردني بدول الخليج. وهكذا تحصل الأردن، مجانا، على إطلالة مثمرة على البحر المتوسط (ميناء غزة)؛ ومن ثم تحقق تواصلاً مازال مقطوعا مع أوروبا.

إلى جانب التخلص من أعباء 70 ألف عائلة فلسطينية من أصول فلسطينية غزاوية “المهاجرين إلى الأردن عام 1967م”، ومقيمة الآن بالأردن دون رقم وطني. بعد أن يتوفر لهم فرص عمل وحياة كريمة في قطاع غزة.

أما ما يُقلق الأردن هو عدم اشراكها في إعداد صفقة القرن، بالشكل الذي يحافظ على أمنها القومي. خاصة أن الأردن تخشي أن تكون حاضرة في مخططات التغيير الجغرافي القادم من خلال تقديم حلول للفلسطينيين على حساب أراضي أردنية (فكرة الوطن البديل)10. كما تخشي الأردن من انهيار السلطة الفلسطينية (سواء بقرار أو لظرف ما) لتجد الأردن نفسها المسئولة مرة أخرى عن إدارة الضفة الغربية.

رابعاً: صفقة القرن ـ الأبعاد السياسية:

كافة المبادرات الخاصة بالعملية السلمية بين الدول العربية والكيان الصهيوني كانت تنص على إقامة علاقات عربية علنية مع الكيان الصهيوني، بعد التوصل إلى اتفاقية سلام. والتي كان آخرها مبادرة السلام العربية عام 2002م، إلا أن الوضع في صفقة القرن، يقوم على تطبيع العلاقات العربية الصهيونية، قبل البدء بالعملية السلمية، كدافع “تحفيزي” للكيان الصهيوني من أجل التوصل لعملية سلمية؛ وليس بعدها. وهو بند في غاية الخطورة، لأن ذلك من شأنه تغييب الموقف العربي بالكامل عن مشهد الصراع الفلسطيني والصهيوني. مما يجعل الأخير ينفرد بالقضية الفلسطينية وتصفيتها بالطريقة والشكل الذي يريده.

هذا النقطة كانت محل ترحاب لدى العديد من الأنظمة العربية، وقد صرح نتنياهو بوجود علاقات عربية صهيونية سرية. وبات واضحا أن هناك العديد من الدول العربية، الخليجية على وجه الخصوص (السعودية، الإمارات، البحرين)، ترغب في تعزيز علاقاتها مع دولة الكيان الصهيوني. انطلاقا من رؤيتها التي تقول “أن المشروع الايراني أخطر على الدول العربية من المشروع الصهيوني”؛ وأنه في حال عززت علاقاتها مع الكيان الصهيوني، فإنها سوف تحمي نفسها من خطر المشروع الايراني، بل ومحاربته واسقاطه.

ومؤشرات ذلك كثيرة، سواء عبر تصريحات رسمية كاتهام وزير الخارجية السعودي عادل الجبير لحركة حماس بالإرهاب أكثر من مرة؛ أو غير الرسمية عبر هاشتاج #الرياض_أهم_من_القدس. أما الأهم هو ما تناولته وسائل الاعلام المختلفة عن وجود ضغوط تمارسها قيادات السعودية على القيادات الفلسطينية (السلطة الفلسطينية، وحركة حماس)، من أجل قبول صفقة القرن.

الملف الثاني السياسي شديد الأهمية في صفقة القرن، هو “ملف اللاجئين الفلسطينيين”، بصفته أكثر الملفات أهمية في مسألة الصراع العربي الصهيوني. خاصة بعد أن اتخذت واشنطن قراراً بتجميد مبلغ 65 مليون دولار من أموال المساعدات الأمريكية المخصصة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)16 علما ان الاونروا هي المسئولة عن تعليم وتشغيل وعلاج اللاجئين الفلسطينيين سواء في قطاع غزة والضفة الغربية أو في دول العالم المختلفة.

لمعرفة المزيد عن اللاجئين الفلسطينيين (أنظر الشكل التالي):

ويعتبر الكيان الصهيوني، ملف اللاجئين الفلسطينيين هو أخطر ملفات الصراع؛ وفقا لمسألة (الصراع الديمغرافي)، والذي يسعي للتخلص منه بشكل أساسي في أي تسوية.

وقد قدمت مبادرات السلام السابقة العديد من الحلول لمسألة اللاجئين الفلسطينيين إلا أنها باءت في الفشل. وسبب ذلك يرجع إلى أن غالبية الشعب الفلسطيني لاجئ، وهذا يعني انها مسألة مرتبطة في كل بيت وشارع. كما أن المكون الرئيسي لأصحاب القرار الفلسطيني السابقين والحاليين هم أبناء اللاجئين؛ وربما الاشارة هنا إلى أن ياسر عرفات، وأحمد ياسين، وفتحي الشقاقي، وعبد العزيز الرنتيسي، ومحمد دحلان، ومحمود عباس، وإسماعيل هنية تكفي لتوضيح هذه النقطة. كما يتميز ملف اللاجئين الفلسطيني ببعدين مهمين الأول (البعد الانساني)، والثاني (البعد الدولي) نتيجة لوجود اللاجئين الفلسطينيين في العديد من الدول حول العالم. كالأردن وسوريا ولبنان ومصر وفنزويلا وتشيلي والخليج وجنوب افريقيا وغيرهم من الدول.

وعليه فمسألة اللاجئين الفلسطينيين، قد تعد إحدى المعطلات الرئيسية لأي تسوية أو صفقة، انطلاقا من تشعباتها. فمن الصعب جدا على بعض الدول ان تقوم بتوطين الفلسطينيين على اراضيهم؛ وذلك لكون الفلسطينيين ربما يشكلون كم كبير قد يزيد عن السكان الاصليين كما هما الحال في الاردن ولبنان وسوريا.

خامساً: محور الطاقة:

يبدو أن صراع الطاقة سيكون حاضراً في مشهد صفقة القرن ـ فالصراع حول الطاقة في منطقة الشرق الاوسط، صراع قديم متجدد. خاصة بعد أن أصبحت حقول الغاز المكتشفة مؤخراً في البحر المتوسط. تتطلب ترسيما جديدا للحدود المائية لدول الشرق الاوسط. وبالتحديد الكيان الصهيوني ومصر ولبنان وقبرص واليونان وتركيا.

فيدور الخلاف حالياً حول النزاع الحدودي البحري بين لبنان وإسرائيل على مجمع نفطي” البلوك” رقم 9 في البحر الأبيض المتوسط، والذي يصل مساحته إلى 860 كيلو متر مربع. وتقول لبنان إنه يقع ضمن مياهها الإقليمية والاقتصادية، بينما تزعم إسرائيل أن لها الحق في جزء من مساحة الرقعة.

ويعود تاريخ المجمع أو الرقعة رقم 9 إلى عام 2009 م، حين اكتشفت شركة “نوبل للطاقة” الأميركية كمية من احتياطي النفط والغاز في الحوض الشرقي من البحر الأبيض المتوسط، حيث تشكل البلوكات 8 و9 و10 نقطة خلاف مع إسرائيل. (انظر الشكل)

وفي ظل الخلاف بين بيروت وتل أبيب. تقدم الموفد الأميركي فريدريك هوف عام 2012 بمقترح إلى لبنان يقوم على أن تتنازل لبنان على 360 كيلومترا مربعا من المياه اللبنانية لإسرائيل من أصل 860 كيلومترا مربعا هي مجموع مساحة ما يسمى الحقل النفطي رقم 9، وبالتالي يحصل لبنان على ثلثي المنطقة الاقتصادية مقابل ثلث لإسرائيل.

وفي 16 فبراير/شباط 2018 قامت الولايات المتحدة بالوساطة مجددا بين لبنان وإسرائيل في ملفي الحدود البحرية والبرية عبر ديفيد ساترفيلد مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى، غير أن لبنان رفض هذا المقترح على أساس أن المنطقة بكاملها ضمن المياه الإقليمية اللبنانية.

وتقدر حصة لبنان من الغاز الطبيعي الذي يحتضنه هذا الجزء من البحر المتوسط بحوالي 96 تريليون قدم مكعب، وهذه ثروة يمكن أن تساعد لبنان على خفض حجم دينه العام الذي بلغ حتى نهاية 2017 نحو 77 مليار دولار، وهو أحد أعلى معدلات الدين العام في العالم.

وإلى جانب النزاع اللبناني الصهيوني حول مسألة النفط. هناك النزاع بين اليونان وتركيا، بعد اكتشاف الغاز عبر شركة ايطالية، على السواحل الجنوبية لجزيرة قبرص اليونانية. مما أدي إلى عقد منظومة أشبه بالتحالف في هذا الاتجاه، فاليونان ومصر وإيطاليا وإسرائيل في جهة، وتركيا من جهة أخري. (أنظر الشكل).

سادساً: الصفقة بين الفشل والنجاح:

إن تشابك الصفقة وتعقيداتها وحساسية الملفات التي تتناولها تجعل هناك صعوبة في إمكانية تطبيقها، في ظل الاعتبارات التالية:

الاشكاليات السياسية التي يعاني منها الكيان الصهيوني، بسبب غموض مصير رئيس الوزراء الصهيوني “نتنياهو” بعد عرضه للقضاء الصهيوني مؤخراً. فقد شهدت قضيته “الاتهام بالفساد”، تطوراً ملحوظا. علما ان نتنياهو، آخر القيادات التاريخية لدولة الكيان. خاصة وأن القيادات الصهيونية البارزة والتي ربما تأتي خلفا لنتنياهو، في الغالب هي قيادات تنقصها الخبرة، وذات فكر يميني متطرف19 ، ومن الممكن أن تتورط في إشكاليات وحروب، على أن تؤثر سلبا أو ربما تعطل صفقة القرن.

الاشكاليات السياسية داخل الولايات المتحدة الامريكية، فإدارة الرئيس الأمريكي “ترامب”، تتخذ خطوات متسارعة في تجاه صفقة القرن، والتي ربما قد لا تكون بتنسيق دولي، مما سيؤدي إلى تعارض المخططات الدولية وتحديداً بين تركيا وأمريكا، وروسيا وأمريكا؛ وبالتالي تعطيل الصفقة. فعلى صعيد العلاقات الأمريكية الأوروبية في مسألة تصريح ترامب حول نقل السفارة الصهيونية للقدس، أدت هذه الخطوة إلى إيجاد فجوة، وأزمة ثقة في العلاقات بين بعض الدول الاوروبية والولايات المتحدة الامريكية.

الموقف الرسمي الفلسطيني اعتبر أن ما تحمله صفقة القرن للقضية الفلسطينية “خطير جدا”، ويهدف إلى تصفيتها، وانهاؤها. فعلى الرغم من الانقسامات التي تعاني منها الحالة السياسية الفلسطينية، فالمعلن حتى اللحظة أن كلا من السلطة الفلسطينية وكافة الحركات والتنظيمات الفلسطينية تأخذ موقفا معارضا ضد الصفقة. وتعمل على افشالها بكافة السبل سواء كانت دبلوماسية عبر خطوات رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في هذا الاتجاه؛ أو ربما عسكريا من خلال اشعال حرب بين قطاع غزة والكيان الصهيوني. كما أثبتت التجارب السابقة أنه لا يمكن فرض حلول على الشعب الفلسطيني بالقوة خاصة إذا ما تعلق الأمر بالقدس والمسجد الأقصى وقضية اللاجئين.

الشرعية الدولية: يعلم ترامب تماماً أن قراراته واجراءاته وما يريده من صفقة القرن تتعارض مع القرارات والقوانين الدولية؛ وأنها انتهكت هذه القوانين والقرارات. في حين يمتلك الرئيس الفلسطيني أوراق قوة وهي المؤسسات الدولية والاقليمية الداعمة له خاصة الجمعية العامة للأمم المتحدة والاتحاد الاوروبي وجامعة الدول العربية ومنظمة الوحدة الاسلامية. كما يتسلح أيضاً عباس بمرجعية عملية السلام التي تقوم على أساس قراري مجلس الأمن 242 و338 وإن انهاء الصراع لا يكون بفرض حلول على الطرفين وانما من خلال طاولة المفاوضات.

خطورة الملفات التي تتناولها صفقة القرن خاصة البعد الاقتصادي بها وقضايا (الغاز)، وهي مسائل أمن قومي بالنسبة للعديد من الدول، وأن حل هذه القضايا بالنسبة لها ليس بهذه السهولة عبر صفقة ما. مما قد يؤدي إلى اشتعال حرب اقليمية مستقبلا. والتي ظهرت لها بعض المؤشرات، أهمها تلويح قادة الاتحاد الأوروبي بإلغاء اجتماع مُزمع مع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، والمقرر في 26 مارس المقبل في بلغاريا، معربين عن تضامنهم مع قبرص واليونان على خلفية اتهامات نيقوسيا تركيا بالتهديد باستخدام القوة ضد سفينة حفر استأجرتها شركة إيني الإيطالية، وكذلك تصريح نائب وزير الدفاع الوطني اليوناني ديمتريس فيتساس أن تركيا تحاول حل مشاكلها الداخلية والخارجية من خلال رؤية استفزازية عدوانية رجعية للتفاعلات الدولية.

مضيفاً: إذا حاولت تركيا توسيع حدودها البحرية فإن اليونان لديها القدرة للرد دبلوماسياً وعسكرياً على هذا التوسع، وإن كانت لا تتمنى أن تصل الأمور إلى هذه النقطة. ويأتي هذا التصعيد الأوربي بعد أن أوقفت البحرية التركية سفينة حفر وتنقيب في 9 فبراير، تابعة لشركة “إيني” الإيطالية، كانت في طريقها لاستكشاف الغاز في المياه القبرصية. ومما يزيد خطورة ملف النفط القبرصي، هو ارتباط ملف الطاقة القبرصية بفرنسا والولايات المتحدة.

وهناك جهة ثانية ربما تعزز افشال الصفقة عبر “صراعات وحروب مستقبلية “، وتتمثل في الصراعات بين شركات التنقيب العالمية سواء شركة “توتال” الفرنسية و”إيني” الإيطالية و”نوفاتيك” الروسية، وهي التي تبحث عن النفط والغاز في المجمعين 4 و9؛ بالمياه الاقليمية المتنازع عليها بين لبنان والكيان الصهيوني.

أما العامل الذي ربما يعد الاسرع في اشعال حرب اقليمية، يتمثل الصراع بين لبنان والكيان الصهيوني، خاصة بعد قرار وزير الطاقة اللبناني سيزار أبي خليل أن النزاع مع إسرائيل لن يمنع لبنان من الاستفادة من الاحتياطيات المحتملة تحت البحر في المنطقة 9 محل النزاع.

وهي الخطوة التي أثارت غضب إسرائيل، حيث أدانها وزير دفاعها أفيغدور ليبرمان الذي وصف الأمر بأنه خطوة “استفزازية للغاية”، كما حث الشركات الدولية على عدم المشاركة، في حين أكد وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينتز أن جزءا من المجمع رقم 9 يوجد في المياه التي تقول إسرائيل إنها تابعة لها.

بينما هدد الامين العام لحزب الله اللبناني باستهداف منصات الغاز الصهيونية، في حال تعدى الكيان الصهيوني على الغاز اللبناني.

ختاما:

إذا كان ما رشح وإستشرف صحيحاً عن “صفقة القرن”، فنحن لسنا أمام صفقة تاريخية تقدّم حلولاً ناجعة أو مقبولة لأطراف الصراع مع العدو الصهيوني والمنطقة الاقليمية، وإنما نحن أمام محاولة جديدة لتصفية قضية فلسطين ونهب ثورات شعوب المنطقة مرة أخرى على غرار الصفقات التاريخية السابقة سايكس بيكو وسان ريمو. وهي بالتالي ليست صفقة بين طرفين، بل هي تعبير عن غطرسة القوة الأميركية/الإسرائيلية، ومحاولة لفرض معادلة جديدة على المنطقة تهدف أولا لإغلاق الملف الفلسطيني.

إن المنطق يقول إن قوة الهيمنة الامريكية والصهيونية في المنطقة سوف تحقق بعض النجاحات للصفقة (ربما في حصول الكيان الصهيوني على جزء من الغاز اللبناني بعد حرب ما)؛ وكذلك تشكيل ضغوطات على الفلسطينيين تقضي بإحداث بعض التغيرات كعودة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس إلى المفاوضات مرة أخرى دون شروط وقبول الولايات المتحدة الامريكية كوسيط. وعقد مؤتمر دولي للسلام، إلى جانب تدافع الانظمة العربية للتطبيع العلني مع الكيان الصهيوني والذي بدأت بوادره تظهر للعلن مؤخرا مقابل بعض الاصلاحات الاقتصادية للفلسطينيين.

إلا أنه في المقابل من المتوقع أيضا ان تفشل أجزاء أخرى من صفقة القرن، فشعوب المنطقة الآن لا تشبه الشعوب التي عاشت قبل 100 عام، عندما تم تمرير سايكس بيكو وسان ريمو، كما أن الملفات التي تتناولها الصفقة في غاية الاهمية وتمس مسائل استراتيجية للعديد من دول المنطقة، خصوصا في ضوء وجود لاعبين اقليميين كبيرين تركيا وإيران، ولاعب دولي في غاية الاهمية روسيا.

وفي ظل ما يجري الآن بالمنطقة عموما، من صراعات ونزاعات داخلية ودولية متزامنة مع الرغبة الصهيونية الامريكية المندفعة تجاه تحقيق أكبر مكسب اقتصادي لهما. والتي تتعارض مع المصالح الايرانية والتركية والروسية، وكذلك مع بعض الرؤى الأوروبية. فإن صفقة القرن غالبا سوف تذهب في المشهد الاقليمي إلى تصعيد في حدة الصراع العسكري.

 

سابعاً:

تقرير المصري اليوم عن "صفقة القرن" – ديسمبر/كانون الأول 2017

كشفت صحيفة "المصري اليوم" البنود الرئيسية في صفقة القرن:

أولا: تتنازل مصر عن 720 كيلومتراً مربعاً من أراضي سيناء لصالح الدولة الفلسطينية المقترحة، وهذه الأراضي عبارة عن مستطيل، ضلعه الأول 24 كيلومتراً، ويمتد بطول ساحل البحر المتوسط من مدينة رفح غربا، وحتى حدود مدينة العريش، أما الضلع الثاني فيصل طوله إلى 30 كيلومتراً من غرب كرم أبو سالم، ويمتد جنوبا بموازاة الحدود المصرية الإسرائيلية، وهذه الأراضي (٧٢٠ كيلومتراً مربعاً) التي سيتم ضمها إلى غزة تضاعف مساحة القطاع ثلاث مرات، حيث إن مساحته الحالية تبلغ 365 كيلومتراً مربعاً فقط.

ثانيا: منطقة الـ(720 كيلومتراً مربعاً) توازي 12% من مساحة الضفة الغربية، ومقابل هذه المنطقة التي ستُضم إلى غزة، يتنازل الفلسطينيون عن 12% من مساحة الضفة لتدخل ضمن الأراضي الإسرائيلية.

ثالثا: مقابل الأراضي التي ستتنازل عنها مصر للفلسطينيين، تحصل القاهرة على أراض من إسرائيل جنوب غربي النقب (منطقة وادي فيران)، المنطقة التي ستنقلها إسرائيل لمصر يمكن أن تصل إلى 720 كيلومتراً مربعاً (أو أقل قليلا)، لكنها تتضاءل مقابل كل المميزات الاقتصادية والأمنية والدولية التي ستحصل عليها القاهرة لاحقا.

المكاسب الفلسطينية

لا تقدر غزة بمساحتها الحالية على الحياة، فالقطاع لا يملك الحد الأدنى من الأراضي التي تتيح لسكانه بناء اقتصاد مستقر، والعكوف على تنمية مستدامة. ويعيش في غزة، حاليا، 1.5 مليون نسمة وسيصل تعدادهم في 2020 إلى 2.5 مليون نسمة.

ولا شك أن سكان غزة بمساحتها الأصلية لن يتمكنوا من العيش بسعادة ورفاه على قطعة أرض محدودة لا تسمح بالتطوير والتنمية، ويستحيل بناء ميناء بحري بحجم معقول، سواء بسبب محدودية المساحة، أو لأن قرب هذا الميناء من إسرائيل سيتسبب بأضرار بالغة لشواطئها.

وكل من يحاول المقارنة بين غزة وسنغافورة يخطئ التقدير، فاقتصاد سنغافورة يقوم على التجارة الدولية، والتعاملات المصرفية المتقدمة، وصناعات الهاي تكنولوجي، أما اقتصاد غزة فيقوم على الزراعة والتكنولوجيا البسيطة، وصحيح أن مساحة دولة سنغافورة لا تؤثر سلبا على نموها الاقتصادي، لكن توسيع مساحة غزة شرط أساسي لضخ الحياة في أوصالها.

والواقع أن توسيع غزة وفقا للمشروع الإسرائيلي، المقترح هنا، يمنحها 24 كم إضافية من السواحل المطلة على المتوسط، بكل ما يترتب على ذلك من مزايا مثل التمتع بمياه إقليمية تصل إلى 9 أميال بحرية، وخلق فرص وفيرة للعثور على حقول غاز طبيعي في هذه المياه.

كما أن إضافة 720 كم مربع لغزة تمكن الفلسطينيين من إنشاء ميناء دولي كبير (في القطاع الغربي من غزة الكبرى)، ومطار دولي على بعد 25 كم من الحدود مع إسرائيل، والأهم، بناء مدينة جديدة تستوعب مليون شخص على الأقل، وتشكل منطقة تطور ونمو طبيعي لسكان غزة والضفة، بل ويمكنها استيعاب أعداد من اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في دول أخرى.

والفوائد الاقتصادية من هذا التوسع عظيمة الأثر، كما سيتبين لاحقا، فغزة الجديدة ستتحول إلى منطقة جذب تفيض بفرص النمو الاقتصادي، وتصير، بين عشية وضحاها، مركزاً تجارياً دولياً، لكن على الفلسطينيين، في المقابل، أن يتنازلوا عن جزء من الضفة الغربية يشغله المستوطنون الإسرائيليون، وقواعد الجيش الإسرائيلي منذ عشرات السنين. وربما يكون هذا التنازل مؤلما، لكن لا يمكن مقارنته بحجم الفوائد والمكاسب التي ستحققها غزة في المستقبل.

 

المكاسب المصرية

مقابل استعداد مصر للتنازل للفلسطينيين، وليس لإسرائيل، عن 720 كم مربع من الأراضي المصرية المقدسة - التنصيص من المصدر - ستحقق مصر المكاسب التالية:

أولا: مبدأ الأرض مقابل الأرض. تتسلم مصر قطعة أرض من إسرائيل في صحراء النقب. والحد الأقصى لمساحة هذه الأراضي سيكون 720 كم مربع، لكن المكاسب الضخمة الأخرى التي ستجنيها القاهرة تستحق الأخذ والرد حول هذا المشروع.

ثانيا: مصر مقطوعة جغرافيا عن القسم الرئيسي (الشرقي) من الشرق الأوسط. فالبحر الأحمر يحدها من الشرق والجنوب، والبحر المتوسط يحاصرها من الشمال.

ولكي يحدث الترابط البري غير المتاح، ستسمح تل أبيب للقاهرة بشق نفق يربط بين مصر والأردن. ويبلغ طول هذا النفق حوالي 10 كم، ويقطع الطريق من الشرق للغرب (على بعد ٥ كم من إيلات)، ويخضع للسيادة المصرية الكاملة، والحركة من مصر إلى الأردن (وبعد ذلك شرقا وجنوبا للسعودية والعراق) ستتم بدون الحاجة للحصول على إذن من إسرائيل.

ثالثا: بين الميناء الجوي الجديد في غزة الكبرى والميناء البحري الجديد هناك، وكلاهما على ساحل المتوسط، وحتى هذا النفق المصري - الأردني في الجنوب، سيتم مد خط سكك حديدية، وطريق سريع، وأنبوب نفط (وتسير هذه الخطوط داخل الأراضي المصرية بمحاذاة الحدود مع إسرائيل).

وتعبر هذه الخطوط الثلاثة النفق إلى الأردن، ثم تتشعب باتجاه الشمال الشرقي لتغذي كل من الأردن والعراق، وإلى الجنوب، باتجاه السعودية، ودول الخليج.

وهذا الربط كما سيتضح هنا في البند السابع من الخطة، له فوائد اقتصادية هائلة. فالمكاسب المصرية واضحة وضوح الشمس، لأن القاهرة ستحصل على نصيبها من الجمارك والرسوم مقابل كل حركة تتم بين الأردن والعراق ودول الخليج في اتجاه ميناء غزة. وذلك لأن الطريق التجاري كما أوضحنا يمر بالأراضي المصرية.

رابعا: تعاني مصر من مشكلة مياه تتفاقم يوما بعد يوم. وهناك زيادة مطردة في أعداد السكان، ومصادر المياه العذبة في تناقص مستمر. وبناء على ذلك فإن الدولة التي يعتمد ٥٠% من سكانها على النشاط الزراعي لن تتمكن من الحفاظ على بقائها واستمرارها بعد جيل أو جيلين بدون إيجاد حل مبدئي لأزمة المياه.

ويتطلب الأمر، ضخ استثمارات هائلة في مجال تحلية وتنقية المياه. ويتطلب هذا المجال الحصول على خبرات تكنولوجية متقدمة جدا، وتوفير رؤوس أموال بالمليارات. وتفتقر مصر لهذين العنصرين. لذلك، فمقابل الكرم المصري، سيقرر العالم ضخ استثمارات كبرى في مصر في مشروعات ضخمة لتحلية وتنقية المياه، وذلك عبر البنك الدولي ومؤسسات مشابهة.

خامسا: منح اتفاق السلام المصري الإسرائيلي الموقع سنة ١٩٧٩، لمصر ميزات كثيرة، لكنه اضطرها أيضا لقبول تقييدات قاسية فيما يتعلق بنشر قواتها العسكرية في سيناء. وأحد المكاسب التي ستحققها مصر مقابل التنازل عن قطاع من أراضيها للفلسطينيين، هو موافقة إسرائيل على إجراء تغييرات محددة فى الملحق العسكري من اتفاقية السلام.

وهذه خطوة لا غنى عنها لمساعدة القيادة السياسية المصرية في مواجهة الرأي العام الداخلي بهذا التبرير: نحن تنازلنا، حقا، عن نسبة ١% من أراضي سيناء، لكن هذا التنازل سمح لنا، بعد ٣٠ عاما، أن نبسط سيادتنا على ٩٩% من مساحتها بصورة كاملة.

سادسا: مصر مثل دول كثيرة في المنطقة، معنية بالحصول على القدرة النووية (لأغراض سلمية). وجزء من التعويضات التي ستحصل عليها مصر، سيتمثل بموافقة الدول الأوروبية (خاصة فرنسا) على بناء مفاعلات نووية في مصر لإنتاج الكهرباء.

سابعا: اتفاق السلام الذي تطرحه هذه الخطة سيضع نهاية لصراع استمر 100 عام بين إسرائيل والدول العربية. ولن يشك أحد في أن هذا الاتفاق لم يكن ليحدث لولا مباركة الرئيس المصري.

ومن هنا يصبح طريق الرئيس المصري للحصول على جائزة نوبل للسلام مفروشاً بالورود، كما تحتفظ القاهرة بحقها بالدعوة لمؤتمر سلام دولي في مصر، وتستعيد، دفعة واحدة، مكانتها الدولية المهمة التي تمتعت بها قبل عام ١٩٦٧.

 

مكاسب الأردن

الأردن هي الرابح الأكبر من هذه التسوية، كما أنها غير مطالبة بدفع أي ثمن لقاء ذلك، على الرغم من أنها قد تتذمر من إزالة الحاجز الجغرافي والسياسي الذى تمثله إسرائيل، اليوم، بوجودها الجغرافي والسياسي بين عمان والقاهرة. لكن يمكن الإشارة لمكسبين كبيرين تحققهما الأردن في إطار هذه الخطة:

أولا: منظومة الطرق، والسكك الحديدية، وأنبوب النفط، ستربط الميناء الدولي في غزة الكبرى عبر النفق المصري الأردني بدول الخليج. وهكذا تحصل الأردن، مجانا، على إطلالة مثمرة على البحر المتوسط (ميناء غزة) ومن ثم تحقق تواصلاً مازال مقطوعا مع أوروبا.

أضف إلى ذلك أن الجزء الشرقي من النفق هو عنق الزجاجة الذي تتجمع فيه حركة البضائع القادمة من أوروبا ومتجهة إلى العراق والخليج. الأمر الذي يمنح الأردن ميزات اقتصادية واستراتيجية عظيمة.

ثانيا: الأردن منزعجة جدا من المشكلة الديموغرافية داخل أراضيها، فأغلبية سكان المملكة من أصول فلسطينية، وأعدادهم في تزايد مستمر. وهذه الظاهرة تستفحل طالما أن حياة الفلسطينيين في الأردن أكثر راحة وسهولة من حياتهم في الضفة وغزة.

لكن في اللحظة التي ستقام فيها مدينة غزة الكبرى، والميناء والمطار الجديدان، ستنشأ فرص عمل وفيرة، وتنقلب الآية، ويفضل الفلسطينيون من أصول غزاوية (أعدادهم في الأردن تصل لحوالي ٧٠ ألف نسمة) العودة إلى بيتهم، شأنهم شأن عدد كبير من اللاجئين الفلسطينيين المقيمين فى الضفة والأردن نفسها.

 

المكاسب الإسرائيلية

عندما نقارن هذه التسوية بالحل العادي القائم على فكرة دولتين لشعبين داخل الأراضي الفلسطينية نكتشف أربع مميزات للتسوية الجديدة، يمكن عرضها كالتالي:

أولا: الأراضي التي ستحتفظ بها إسرائيل في الضفة (حوالى١٢%) أكبر بكثير من المساحة التي يمكن أن تحصل عليها في الحل العادي. والـ ١٢% هي المساحة التي وصفها ايهود باراك عندما سافر لمؤتمر كامب ديفيد ٢٠٠٠، بالمساحة الحيوية للحفاظ على المصالح الإسرائيلية.

كما أن الخطة الرئيسية لبناء الجدار العازل احتفظت لإسرائيل بـ ١٢% من أراضي الضفة. غير أن ضغوط المحكمة العليا في إسرائيل حركت الجدار غربا، واحتفظت إسرائيل داخل الجدار بـ٨% فقط من المساحة التي تحتاجها.

والواقع أن مساحة الـ ١٢% ستسمح لإسرائيل بتقليص دراماتيكي فى أعداد المستوطنين الواجب إخلاؤهم من الضفة، فيتقلص العدد من ١٠٠ ألف مستوطن إلى ٣٠ ألفا فقط.

بالإضافة إلى أن هذه المساحة ستسمح لإسرائيل بالاحتفاظ داخل حدودها بأماكن دينية ذات أهمية تاريخية وروحانية مثل مستوطنتي عوفرا، وكريات أربع. وتضمن الاحتفاظ بمستوطنة أريئيل داخل إسرائيل، وتوفير الأمن لسكانها.

ثانيا: هذا التقسيم المتوازن للأراضي بين غزة والضفة يمنح الدولة الفلسطينية فرصاً كبيرة جدا للاستمرار والنمو، وبهذا يمكن الوصول إلى تسوية سلمية مستقرة وغير معرضة للانهيار.

ثالثا: مشاركة الدول العربية، خاصة مصر والأردن، فى الحل يمثل دلالة إيجابية، ويخلق ثقة أكبر فى الحفاظ على الاتفاقية وعدم نقضها.

رابعا: هذه التسوية الإقليمية لا تنفى ضرورة توفير معبر آمن بين غزة والضفة، لكنها تقلل من أهميته، وتقلص حجم الحركة فيه. فيبقى المعبر الآمن سبيلا للتنقل بين الضفة والقطاع، لكن غالبية حركة البشر والبضائع بين غزة والعالم العربي ستنطلق عبر منظومة الطرق ووسائل المواصلات الجديدة التي تربط غزة الكبرى بالعالم.

 

مكاسب الأطراف المختلفة

غالبية حجم التجارة بين أوروبا ودول الخليج والعراق والسعودية تتم عبر سفن تعبر من قناة السويس، أو عبر سفن ضخمة تضطر بسبب حجمها للدوران حول قارة أفريقيا.

وهذان الطريقان البحريان غير مفيدين، لكن بسبب عدم وجود ميناء عصري على ساحل المتوسط، وعدم وجود شبكة مواصلات قوية وآمنة لا بديل عنهما. وبالتالي إذا أقيم على ساحل المتوسط، وفى غزة الكبرى، ميناء عصري مزود بتكنولوجيا مشابهة للتكنولوجيا المستخدمة في ميناء سنغافورة.

وإذا تفرعت منه شبكة طرق جيدة، جنوبا وشرقا، وخط سكك حديدية، وتم زرع أنبوب نفط، فمن الممكن دفع حركة تجارة نشطة، وتخفيض تكلفة السلع، ولن يأتي تمويل هذه المشروعات من الدول التي ستسير فى أراضيها هذه البنية التحتية فقط، وإنما ستشارك الدول الغربية في التمويل أيضا. فالعالم يدفع اليوم حوالي مليار دولار سنويا لإطعام الفلسطينيين، لكن وفقا لهذه الخطة فإن هذه الأموال ستستخدم في الاستثمار الاقتصادي، وتدر أرباحا هائلة تغطى التكلفة في بضع سنين.

وتستفيد من هذا الازدهار كل من مصر والأردن بشكل مباشر، وعدة دول أخرى بشكل غير مباشر. وعلى عكس الماضي الذي شهد حلولا ثنائية للصراع القومي على أسس سياسية واستراتيجية، فالواقع أن المجتمع الدولي، اليوم، يبحث عن حلول متعددة الأطراف على أسس اقتصادية وربحية. ولعل إنشاء الاتحاد الأوروبي هو المثال الأبرز في هذا الاتجاه.

ولا شك أن الحل الإقليمي المقترح في هذه الخطة يتماشى بدقة مع الاتجاهات الجديدة السائدة في العالم. فهذا الحل يعطى للفلسطينيين فرصة حقيقية للتحول إلى سنغافورة الشرق الأوسط. ولا يمكن بأي شكل من الأشكال التفكير فى تحقيق إنجاز مشابه في حدود غزة الضيقة التي نعرفها اليوم.

 


 

هل ستمر "صفقة القرن"؟

 

بعد الجولة الأخيرة لكوشنر وجرينبلات للمنطقة ولقائهما مع عدد من الزعماء العرب وكذلك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ورغم موافقة بعض الأطراف العربية على الصفقة، إلا أن التقييم كان بتدني فرصة نجاح هذه الصفقة حال طرحها لأسباب عدة منها:

  1. عدم وضوح معالم الصفقة وتفاصيلها، وبقائها مبهمة غامضة وبشكل مقصود حتى اللحظة
  2. محاولة فرض الحلول بالإكراه والإجبار ثبت فشلها في السابق، وإصرار إدارة الرئيس ترمب على تجاوز أي معارضة لها
  3. مقاطعة قيادة السلطة الفلسطينية برام الله لمبعوثي ترمب ورفض الخوض في تفاصيل الصفقة واعتبارها "صفعة" للقضية الفلسطينية
  4. استحالة تحقيق السلام على أساس منفعة طرف (الإسرائيليون) مقابل مصادرة حقوق الطرف الآخر (الفلسطينيون) ومصادرة أرضهم وتهويدها ونفيهم خارج بلدهم واستبدال تلك الحقوق بحوافز مالية واستثمارية
  5. استمرار التعنت والصلف الإسرائيلي برفض أي تسويات تتطلب "تنازلات" من طرفهم والتعويل على السلام الاقتصادي مقابل السيطرة المطلقة على الأرض والأجواء والمياه والموارد الاقتصادية
  6. توجه المجتمع الإسرائيلي نحو مزيد من التطرف سواء من قبل العلمانيين أو المتدينين، مع ارتفاع الأصوات المطالبة بضم الضفة الغربية بشكل نهائي ل"إسرائيل"
  7. فشل حل الدولتين من خلال الإجراءات الإسرائيلية على الأرض من مصادرة وتهويد واستيطان وجدار وحواجز
  8. رفض الأردن لفكرة التوطين الكامل وأن يصبح وطناً بديلاً للفلسطينيين
  9. صعوبة تقبل لبنان فكرة تجنيس الفلسطينيين على أراضيها وهو ما سيتسبب بأزمة جيوسياسية-ديموغرافية عند طوائف عدة هناك
  10. المشاكل التي يتعرض لها الرئيس الأمريكي ترمب والتي تقترب من بدء إجراءات عزله عن الرئاسة
  11. حالة المواجهة التي خلقتها الإدارة الأمريكية مع دول وتكتلات كبرى مثل الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي التي لن تسمح باستبعادها من أي تسوية
  12. صمود قطاع غزة ورفض محاولات التدجين حتى في ظل الحديث عن تهدئة طويلة الأمد
  13. رفض شعبي كبير لي صفقات تنتقص من الحقوق
  14. الوضع الإقليمي الملتهب في ظل استمرار المواجهات بين الشعوب والحكام
  15. الفشل السعودي – الاماراتي في اليمن والذي انعكس مادياً واقتصادياً على أوضاع البلدين
  16. حالة الغليان الشعبي غير المسبوقة في مصر في ظل نظام السيسي الذي أفقر المصريين إلى درجة عدم القدرة على الاحتمال
  17. إصرار بعض الأطراف العربية على عدم تجاوز الفلسطينيين في أي صفقة أو تسوية
  18. عقدة القدس، حيث من شبه المستحيل أن يقبل أي طرف عربي أو إسلامي التنازل عن المسجد الأقصى ومدينة القدس بشكل علني، حتى لو أقروا ذلك خلف الأبواب المغلقة
  19. الوهم المتمثل بفكرة أن المشكلة هي مشكلة معيشية بحتة، وبأن الفلسطيني مستعد لبيع حقوقه مقابل الاغراءات المالية، وأن ذلك سيضمن نجاح الصفقة

في هذا الشأن نشر موقع عربي بوست مقالاً تحليلياً عن أوهام كوشنر في صفقة القرن جاء فيه:

أوهام كوشنر في الشرق الأوسط..

5 أسباب يتجاهلها ترمب وصهره ستفشل صفقة القرن، لكن لماذا يصرّان على فرض خطتهما؟

 

رغم كل ما يثار عن إمكانية نجاح «ًصفقة القرن» وهي الخطة التي يروج لها الرئيس الأميركي ترمب وصهره لحل مشكلة الشرق الأوسط الرئيسية، وهي الصراع العربي الإسرائيلي، إلا أن هذه الصفقة محكوم عليها بالفشل لأن جاريد كوشنر المبعوث الخاص للرئيس الأميركي بنى خطته على 5 «أوهام» بحسب تقرير نشرته مجلة The Atlantic الأميركية، عن 2 من مساعدي الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما.

وقال فيليب غوردون: المساعد الخاص السابق للرئيس أوباما ومنسق البيت الأبيض السابق لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ومنطقة الخليج، وبريم كومار: المدير الأقدم للشرق الأوسط وشمال إفريقيا ومدير الشؤون الإسرائيلية والفلسطينية، إن ما يفعله كوشنر لا يخرج عن الأوهام والخيالات، لان كل ما يريد فعله صهر ترمب تم تجريبه من قبل في الشرق الأوسط وأثبت فشله. 

وبحسب الصحيفة الأميركية، ففي يوم الأحد الماضي 24 يونيو/حزيران، في أولى مقابلاته مع الصحف الفلسطينية، قال صهر الرئيس الأميركي ومبعوثه للسلام في الشرق الأوسط إنَّه رغم الشواهد المُناقِضة، فإنَّ «آمال السلام حية بدرجة كبيرة»، وأكَّد أنَّ الإدارة تستعد لإعلان خطتها المُنتظرة طويلاً من أجل السلام الإسرائيلي-الفلسطيني.

وحين سُئِل كيف تختلف تلك الخطة عن المساعي السابقة، أوضح كوشنر أنَّه قام بـ»الكثير من الاستماع»، وأنَّه مقتنع بأنَّ الشعب الفلسطيني «أقل اكتراثاً بنقاط الحوار بين السياسيين» من اكتراثه برؤية كيف يمكن لاتفاقٍ أن يزيد إمكانية حصولهم على حياةٍ أفضل. وبالنظر إلى المخاطر الحقيقية لتصعيد العنف، والوضع الإنساني البائس في غزة، والتكاليف المستمرة للوضع الراهن، فإنَّ رغبة كوشنر في المضي قُدُماً حتى في وجه فرصة النجاح الضعيفة أمرٌ مفهوم.

لكن للأسف، كشفت مقابلة كوشنر أيضاً أنَّه يعيش في عالمٍ خيالي، ويُجهِّز نهجاً من المُرجَّح أن يُضاعف المشكلات الحالية أكثر مما يحلها. والافتراضات التي يبدو أنَّه يستند إليها في خطته –مهما كانت محتوياتها التي ستُكشَف قريباً- معيبة للغاية لدرجة أنَّه من العادل التساؤل حول ما إذا كان هدفه هو حقاً بدء مفاوضاتٍ جدية، أم مجرد إسعاد قاعدة الرئيس ترمب عبر الاستعداد لإلقاء اللوم في الفشل المقبل على الجانب الفلسطيني، بحسب المجلة الأميركية وحدد المسؤولان الأميركيان السابقان 5 عناصر قامت عليها خطة ترمب وصهره لحل القضية الفلسطينية الإسرائيلية بحسب تقرير المجلة الأميركية وهي:

أوهام كوشنر الخمسة

أول الخيالات: عباس يعارضه والشعب الفلسطيني سيعجب بخطته!

يرى كوشنر أنَّ اعتراض الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي رفض أن يلتقيه في رحلته الأخيرة، على صفقة القرن، يمكن ايجاد حل لهذا وهو توجيه الخطة «مباشرةً إلى الشعب الفلسطيني».  يشير كوشنر إلى أنَّ عباس يتجنَّبه لأنَّه «خائف من أنَّنا سننشر خطتنا للسلام، وأنَّ الشعب الفلسطيني في الواقع سيُعجَب بها». لكنَّ هذا غير مُرجَّح.

وبحسب المجلة الأميركية، عباس بالفعل لا يحظى بشعبيةٍ لدى معظم الفلسطينيين، فمعدل شعبيته أكثر قليلاً من 30%، لكنَّ هذا بالكاد يعود إلى موقفه المتشدد تجاه إسرائيل. ففي نقاشاتنا المكثفة مع عباس وفريقه المُفاوِض حين كنا مستشارين في البيت الأبيض إبَّان إدارة الرئيس باراك أوباما، وجدنا أنَّ أكثر ما يثنيهم هو خشيتهم من أنَّهم لا يمكنهم إقناع شعبهم بالمزيد من التنازلات، وشعبهم هذا هو الذي كان يحتج لسنواتٍ على استمرار التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، ومصادرة الأراضي، والقيود المتزايدة على حركة الفلسطينيين. وهذه المشاكل أكبر اليوم. في الواقع، يعارض عددٌ أكبر من الفلسطينيين اليوم حل الدولتين أكثر من حل الدولة الواحدة، وتقول أغلبية تصل إلى 57% إنَّ مثل هذا الحل لم يعد عملياً بسبب التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، الذي يمتد الآن عميقاً داخل الضفة الغربية.

 ويدعم أكثر من 35% من الفلسطينيين اليوم حل الدولة الواحدة، أو بعبارةٍ أخرى، دولة واحدة ذات أغلبية عربية وحقوق متساوية للجميع، وهو حلٌ يلقى قبولاً متزايداً لدى الفلسطينيين دون سن الثلاثين.

وبسبب هذه الاتجاهات، من شبه المؤكد أنَّ الزعيم الفلسطيني المُقبِل سيكون أقل –وليس أكثر- استعداداً لتقديم تنازلات، هذا في حال كان يدعم عملية السلام من الأساس. وفي الواقع، تُظهِر استطلاعات الرأي الأخيرة أنَّ عباس سيخسر الانتخابات الرئاسية لو جرت أمام إسماعيل هنية المنتمي لحركة حماس (التي لا تعترف حتى بإسرائيل)، وهنية بدوره سينهزم أمام مروان البرغوثي، وهو قومي فلسطيني يقبع حالياً داخل سجنٍ إسرائيلي منذ عام 2002.

 ثاني خيالات كوشنر: إدارة ترمب ستنجح في حل القضية بينما أخفق الأخرون!

وبحسب المجلة الأميركية، فإن ثاني أوهام كوشنر اعتقاده بأنَّه والإدارة التي يُمثِّلها في موضعٍ أفضل للنجاح أكثر من كل أسلافهم الذين فشلوا، وهو هدفٌ يبدو أنَّه يُحرِّك ترمب تماماً بقدر ما يُحرِّكه هدف تحقيق السلام في الشرق الأوسط ذاته. لكن في حين أنَّه من الواضح بالفعل أنَّ ترمب صانع صفقات سيئ لم يتوصل حتى الآن إلى أي اتفاقٍ دولي مهم (التنازلات التي تُقدَّم لكوريا الشمالية من طرفٍ واحد في مقابل تعهُّدٍ مبهم بـ»العمل باتجاه» نزع السلاح النووي لا تُمثِّل اتفاقاً دولياً)، فإنَّ السلام في الشرق الأوسط ربما يكون هو أكثر قضية لا يسمح له وضعه فيها بالنجاح.

ففي حين كانت كل الإدارات الأميركية دائماً أقرب إلى إسرائيل من الفلسطينيين، كانت كلها على الأقل تحاول الاضطلاع بدور الوسيط النزيه تحت مُسمَّى إيجاد حل وسطٍ عملي، وكان الفلسطينيون ينظرون إليها كشركاء ضروريين.

وبحسب المجلة الأميركية، ترمب تخلى حتى عن قشرة الموضوعية. ففي الشهر الماضي، مَنَح من جانبٍ واحد إسرائيل أحد أكثر الجوائز المرغوبة في المفاوضات، فاعترف بالقدس عاصمةً لإسرائيل، دون الحصول على أي شيءٍ في المقابل. ولجعل الأمر أسوأ، احتفل بعد ذلك بالخطوة الأحادية لنقل السفارة الأميركية في إسرائيل إلى القدس، وهي خطوة عارضتها 128 دولة في الأمم المتحدة، بحفلٍ كبير نُظِّم قبل يومٍ واحد فقط من إحياء الفلسطينيين لذكرى نكبة 1948. وحضر حفل السفارة العشرات من أعضاء الكونغرس من الجمهوريين فقط، وتضمَّن خطاباتٍ ألقاها قساوسة إنجيليون معروفون أصلاً بتصريحاتهم المتعصبة ضد المورمونيين واليهود والمسلمين، ما يشي بأنَّ الأمر برُمته كان مُتعلِّقاً بالسياسة الأميركية الداخلية أكثر من السلام في الشرق الأوسط.

وفي الوقت الذي قتل فيه الجيش الإسرائيلي عشرات الفلسطينيين في غزة، لم تختر إدارة ترمب التعبير عن تعاطفها مع الفلسطينيين الذين قُتِلوا، ولا الانضمام إلى المناشدات الدولية لضبط النفس الإسرائيلي.

ومن الناحية الأخرى، خفَّض ترمب مساعداته المالية المخصصة لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) بسبب الغضب من أنَّ الفلسطينيين لم يمنحوه «التقدير أو الاحترام» المطلوب، كما لو أنَّ المساعدات، حتى حين تخدم المصالح القومية الأميركية، يجب أن تُقابل بالإطراء.

وقدَّمت إدارته دعماً غير مشروطٍ للمستوطنات، فقاتل السفير الأميركي لدى إسرائيل ضد استخدام كلمة «احتلال»، ويشير إلى الضفة الغربية باستخدام تعبير «يهودا والسامرة»، كما يُفضِّل المستوطنون الإسرائيليون تسمية المنطقة، بدلاً من الإشارات الأميركية التقليدية إلى «الضفة الغربية». وبالتالي، ليس مُستغرباً أنَّ الفلسطينيين توقفوا عن الحديث إلى الإدارة. ومن الصعب رؤية كيف يمكن النظر إلى الولايات المتحدة في أي وقتٍ تحت حكم ترمب كوسيطٍ نزيه، أو تجاوز عباس، في حين يُعارض ثلثا الفلسطينيين استئناف العلاقات مع المفاوضين الأميركيين، ويرى 88% منهم أنَّ الولايات المتحدة منحازة لصالح إسرائيل.

ثالث الخيالات: مصر ودول الخليج ستساعده في فرض صفقة القرن

ويرى صهر ترمب أنَّ دول الخليج العربية ومصر والأردن ستساعده في التغلب على تلك التحديات الكبيرة. صحيحٌ أنَّ إدارة ترمب أقامت علاقاتٍ وثيقة مع قادة تلك الدول، إلى حدٍ كبير على خلفية موقفها من إيران، وفتح صنبور مبيعات الأسلحة، وتنحية المخاوف التقليدية حيال حقوق الإنسان. وصحيحٌ ايضاً أنَّ هؤلاء القادة الإقليميين يُشاطرون إسرائيل منظوراً استراتيجياً مشتركاً حول إيران والتطرف الإسلامي، والكثير جداً من التحديات الأخرى المطروحة على طاولاتهم، من تراجع أسعار النفط وحتى اليمن وسوريا، ولا يمنحون القضية الفلسطينية الأولوية كما كانت تفعل الأجيال السابقة.

السيسي وترمب إضافة إلى الملك سلمان اثناء تدشين مركز إعتدال لمكافحة التطرف

لكن وجهات النظر الإقليمية المتغيرة هذه لا تعني أنَّ القادة العرب سيستهلكون رأس مالهم السياسي لإقناع الفلسطينيين، حتى لو كان بإمكانهم فعل ذلك. ولا شك أنَّ كوشنر سمع أحاديثَ إيجابية من الأصدقاء العرب في اللقاءات الخاصة أثناء رحلته التي استمرت أربعة أيام وانتهت للتو إلى الأردن والسعودية ومصر وقطر، قبل الذهاب إلى إسرائيل.

لكن لا يجب أن يتوقع تبنِّي أولئك القادة علناً لمواقف حول السلام يرفضها الفلسطينيون والغالبية العظمى من شعوبهم. وهذا ينطبق بصورةٍ خاصة على قضية القدس، إذ سيُدان، ويُستَغَل، أي تخفيف للدعم السعودي أو المصري للفلسطينيين على الفور من جانب منافسيهم في إيران وقطر وتركيا.

رابع الخيالات: الفلسطينيون يمكن شراؤهم بالمال والمساعدات!

يعتقد كوشنر أنَّ الفلسطينيين يمكن شراؤهم بالمساعدات الاقتصادية لتعويض خسائرهم السياسية. ففي مقابلة كوشنر مع الصحيفة الفلسطينية، اقترح أنَّ إدارة ترمب قد «تجتذب استثماراتٍ كبيرة جداً في البنية التحتية.. تقود إلى زيادةٍ في الناتج المحلي الإجمالي، ونأمل أيضاً في غطاءٍ من التعايش السلمي». وبوضع فكرة أنَّ إدارة ترمب لم تستطع اجتذاب استثماراتٍ كبرى لضخها في البنية التحتية الأميركية جانباً، وهو ما يجعل المرء يتساءل بشأن اجتذاب الاستثمارات للضفة الغربية وغزة، فإنَّ هذا التركيز على القضايا الاقتصادية جُرِّب من قبل دون جدوى في عددٍ من المناسبات.

ففي حقبة أوسلو في التسعينيات، ثُمَّ في خارطة طريق السلام في عام 2002، وعملية أنابوليس في ظل إدارة بوش الابن، وأخيراً جهود وزير الخارجية الأميركي السابق جون كيري أثناء حقبة أوباما، حاولت الإدارات الأميركية المتعاقبة تعزيز فرص السلام بتحسين الظروف المعيشية على الأرض. من الجدير بالثناء بطبيعة الحال تعزيز التنمية الاقتصادية المطلوبة بشدة في الضفة الغربية وغزة، لكن يجب على كوشنر أن يكون قد فهم الآن أنَّ الرخاء لن يحل محل السلام السياسي أبداً. إذ تظل القضايا الرئيسية هي الحدود والسيادة، والأمن، والمستوطنات والاحتلال، واللاجئين، والقدس. فلا يمكن لزعيمٍ فلسطيني أن يظل في الحكم عن طريق التعهُّد بالمنافع الاقتصادية وحدها.

الوهم الخامس: الإسرائيليون تحت حكم نتنياهو سيطيروا فرحاً بالصفقة

ما يراه كوشنر أنَّ الإسرائيليين تحت حكم نتنياهو سيطيروا فرحاً بهذه الصفقة على الرغم من أن الأوضاع الداخلية تكشف غير ذلك بحسب المجلة الأميركية، فعلى الأرجح لن يوافقوا على ذلك النوع من الاتفاق الذي سيكون ضرورياً لجعل موافقة الفلسطينيين أو العرب ممكنة بنسبةٍ بسيطة على الأقل. ففي السنوات القليلة الماضية، توقف نتنياهو عن الحديث حتى عن دعم حل الدولتين، الذي قبله أول الأمر على نحوٍ حذر للغاية في خطابٍ ألقاه في عام 2009 في جامعة بار إيلان.

ولا تدعم الأغلبية من أعضاء الحكومة الإسرائيلية الحالية حتى إقامة دولة فلسطينية، ناهيك عن التنازلات التي ستحتاج إسرائيل لتقديمها من أجل إقامة تلك الدولة. وفي ظل خضوع نتنياهو وزوجته للعديد من تحقيقات الفساد الجدية، فإنَّ رئيس الوزراء على الأرجح يرى أنَّ أمله الوحيد هو إبقاء تلك الحكومة المتشددة معاً لدرء أو تأخير أي اتهاماتٍ محتملة. ومن غير الواضح كثيراً ما إن كان الشعب الإسرائيلي نفسه مستعداً لتقديم التنازلات الكبيرة اللازمة للسلام، بما في ذلك إجلاء مئات الآلاف من المستوطنين من الضفة الغربية. لكن من الواضح تماماً أنَّ الحكومة الإسرائيلية ليست مستعدةً لفعل ذلك، بحسب المجلة الأميركية.

وفي مقابلته، يُشكِّك كوشنر في ما إذا كان عباس لديه القدرة أو الرغبة لـ»قبول إتمام صفقة». لكن كذلك الحال بالنسبة لنتنياهو، وحقيقة أنَّ كوشنر لا ينتقد إلا جانب واحد فقط تُعَد معبرةً عن الوضع. هذا الأمر في حد ذاته جزءٌ من المشكلة.

 

لماذا يمضي كوشنر في خطته رغم معرفته بفشلها؟

وبعد 18 شهراً من المحادثات، بمساعدةٍ من البارع جيسون غرينبلات، الذي تشاور مع مجموعةٍ واسعة من الخبراء والمسؤولين من كل البلدان، يتعين على كوشنر إدراك ذلك. فهل هو ساذج أو شيءٌ ما؟ لِمَ عساه يمضي قُدُماً بخطةٍ بمثل تلك الاحتمالات الضعيفة للنجاح؟

وبحسب المجلة الأميركية، ربما يعمل كوشنر على أساس أنَّه من الأفضل دوماً أن تحاول وتفشل بدلاً من عدم المحاولة على الإطلاق. لكنَّ هذا أيضاً غير صائب. فالشيء الوحيد الأسوأ من التقدُّم في عملية السلام هو رفع سقف الآمال والتوقعات، فقط لينهار ذلك السقف بعد ذلك بوقتٍ قصير.

لقد رأينا ذلك السيناريو يحدث الكثير والكثير من المرات في الماضي، من قمة كامب ديفيد عام 2000، إلى محادثات عباس-أولمرت في عام 2008، وحتى عملية جون كيري بين عامي 2013-201، وكلها فشلت بعد وقتٍ قصير وأتبعها وقوع عنف.

ومن حسن حظ كوشنر، لا يمكن أن تكون التوقعات في هذه الحالة أقل كثيراً. لكنَّ تقديم خطة سلام أخرى فقط لتفشل بمجرد إعلانها لا يؤدي إلا لتشجيع معارضي التوصل إلى تسوية، بل وحتى دعاة العنف، من كلا الجانبين.

وسببٌ آخر للمضي قُدُماً هو ربما إلقاء اللوم على الفلسطينيين في فشل «الصفقة النهائية» بدلاً من إلقائه على السياق الصعب وأخطاء ترمب. وإن كان الماضي مؤشراً، فيمكننا توقُّع أن يقول الجانب الإسرائيلي «نعم، ولكن» (في حين أنَّ المقصود هو «مستحيل»)، وأن يقع الفلسطينيون في فخ رفض خطةٍ أميركية أو عدم الانخراط بها على الإطلاق.

سيُسعِد هذا جزءاً من قاعدة ترمب، وربما يُخرج الإدارة من موقفها الصعب لمجرد المحاولة، لكنَّه لن يؤدي إلا لزيادة الخلاف بين الإسرائيليين والفلسطينيين، فيما يفاقم كذلك الانقسامات الحزبية في الولايات المتحدة حول إسرائيل.

 

ترمب جزء من المشكلة

وبحسب المجلة الأميركية، قد يعتقد كوشنر أنَّ الرفض الفلسطيني سيُبطئ الدعم للمساعي الرامية لإدانة إسرائيل دولياً. لكنَّ هذا أيضاً غير صحيح. فافتقار ترمب الكامل للمصداقية في هذه القضية، بعد قراريه بخصوص القدس والأونروا على وجه الخصوص، يعني أنَّ المعظم في أوروبا والمناطق الأخرى سيستنتجون أنَّ الرفض الفلسطيني للخطة سببه أنَّها لم تكن عادلة، وليس لأنَّ الفلسطينيين يرفضون السلام.

ويُظهِر التصويت غير المتوازن الذي جرى في الأمم المتحدة ضد قرار ترمب بنقل السفارة إلى القدس أنَّ الولايات المتحدة، وليس الفلسطينيين، هي المعزولة حاليّاً. وفي الحقيقة، ربما يشير إلغاء مباراة كرة قدم مؤخراً بين إسرائيل والأرجنتين جزئياً بسبب إصرار حكومة نتنياهو على الرمزية السياسية لإقامتها في القدس إلى تسارعٍ في حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS). ففي نهاية المطاف، قد يقول أنصار المقاطعة: إذا دعمت الولايات المتحدة طرفاً واحداً فقط في الصراع، فماذا تبقى هناك لعمله؟ وترسيخ هذه الرؤية عن طريق تقديم خطة سلام فاشلة لن يُقدِّم لإسرائيل أو لأي طرفٍ آخر أي منفعة.

وختم المسؤولان السابقان قائلين لقد كرَّسنا الكثير من السنوات للعمل على هذه القضية، ونشعر بالقلق من تبعات الوضع الراهن على كلٍ من إسرائيل كدولةٍ آمنة وديمقراطية ويهودية، وكذلك مستقبل نحو ستة ملايين فلسطيني. لقد رأينا وشاركنا في جزءٍ كبير من جهود السلام غير الناجحة، بل وحتى غير المدروسة. لكنَّ الواقع هو أنَّه في ظل الظروف الراهنة، وفي ظل الحكومتين الإسرائيلية والفلسطينية الحاليتين، أضحى حل الدولتين في حد ذاته خيالاً. فلا الفلسطينيون، ولا الشعب الإسرائيلي، ولا قادتهما مستعدون حالياً لتقديم التنازلات اللازمة للتوصل إلى اتفاق، وإبراز تلك الحقيقة لن يزيد الأمور إلا سوءاً.

في الدبلوماسية، كما هو الحال في الطب، يمكن أن يكون قسم أبقراط بـ»عدم إلحاق ضرر» مبدأً قيماً. وسيتصرف كوشنر بحكمة إذا ما فكَّر في ذلك الآن.

 


 

ختاماً

هذا هو ما نشر عن الصفقة بكل تفصيلاتها، وهذا ما تخططه الإدارة الأمريكية للمنطقة، بتعاون وتواطؤ من بعض الأنظمة العربية.

ورغم كل الضغط الذي تمارسه الولايات المتحدة على الأطراف المعنية إلا أن نجاح تمرير "صفقة القرن" يعتمد على قبول أصحاب الشأن أولاً وأخيراً، أي الشعوب المعنية وليس أنظمتها.

يقول لبيب قمحاوي في مقال له تحت عنوان "صفقة القرن – الخلفية والأساس" نُشر في شهر يونيو/حزيران 2018:

"صفقة القرن" ليست قـَدَراً محتوماً على الجميع القبول به والخنوع له ، بقدر ماهي مؤامرة جديدة تستند إلى ضعف عربي عام وإلى خيانة بعض الأنظمة العربية التي اختلطت عليها أولوياتها بشكل حَوَّل العدو الأكبر للعرب وهو إسرائيل إلى حليف محتمل في صراع إقليمي مذهبي بائس جعل من الجار عدواً ومن العدو جاراً بل وحليفاً. وهكذا، فإن من مَهَّدّ الأرضية لما هو قادم قد جاء من رحم العرب وما كان من الممكن لمثل هذا المخطط أن يكتسب أرضية لولا الإشارات الخفية بالموافقة والتشجيع والتي جاءت من بعض العواصم العربية وبعض القيادات الفلسطينية.

"صفقة القرن" ابتدأت كمجموعة أفكار جديدة في أسلوب وكيفية طرحها ولكنها قديمة في جوهرها لأنها تهدف في النهاية إلى فرض حل للقضية الفلسطينية ينطلق من رحم الاحتلال ومن واقع الشتات الفلسطيني والضعف العربي واستسلام القيادة الفلسطينية منذ اتفاقات أوسلو وتبعيتها الأمنية لسلطات الاحتلال، وتهدف إلى إعطاء إسرائيل أقل بقليل من "كل شيء" وإغلاق ملف القضية الفلسطينية إلى الأبد، أو هكذا خُيِّلَ للقائمين على هذه "الصفقة" من إدارة ترمب.

والجديد في الطرح يتمثل في الكيفية التي يتم بموجبها تقديم الأفكار الأمريكية والعناوين المرافقة لها وأسلـوب طرحهـا. إن اللعب بالكلمات هو أسلوب قديم في السياسة، أمَّا ما نحن بصدده فهو اللعب بالمصطلحات بحيث يكون العنوان شيء والمحتوى شيء آخر. ومثالاً على ذلك تسمية اختفاء المظاهر العسكرية العلنية للإحتلال بالانسحاب، وتسمية الحكم الذاتي المُطَوَّر بالدولة .... إلخ.

ليضيف:

«صفقة القرن» لا تستهدف فلسطين فقط، بل العالم العربي الذي سوف يصبح في أغلَبِهِ عبارة عن دول تدور فى فـَلكِ النفوذ الإسرائيلى. والأهم من ذلك استبدال العداء العربي لإسرائيل بعداء عربي مُعلن للفلسطينيين كما بدأ يَنـْضَح من التصريحات العلنية لبعض المسئولين العرب بخصوص الفلسطينيين.

«صفقة القرن» هي عنوان جزئي في مسار طويل متكامل، ومدخل إلى أفق آخر يتجاوز حدود الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي والعربي – الإسرائيلى لينتقل إلى أفق إعادة التشكيل الإقليمي للمنطقة، وإعادة رسم دور إسرائيل القادم كقائدة لـذلك الإقليم.

فهذه الصفقة لا تهدف إلى التنازل المجاني عن فلسطين فقط، ولكنها تُمهد لإلحاق العالم العربي بإسرائيل وإعادة رسم خارطة التحالفات الإقليمية بشكل يجعل من إسرائيل القوة الإقليمية السائدة والأهم، مما يستدعى بالضرورة إضعاف أو تفكيك كل من إيران وتركيا باعتبارهما مركزي الاستقطاب الإقليمي البديل والأهم بعد أن دخل العالم العربي في غياهب النسيان والدمار.

مرة أخرى تفاصيل «صفقة القرن» لا قيمة لها إلا إذا وَقَعَ الفلسطينيون والعرب في فخ القبول بها.

الأساس يكمن في رفضها حتى كعنوان ناهيك عنها كخيار.

المعركة ليست مع أمريكا وإسرائيل بقدر ما هي فينا وبيننا كعرب فإما أن نرفض ونكون أو نقبل ولا نكون.

خلاصة القول:

 لا نبالغ إن قلنا أن تأجيل إعلان تفاصيل الصفقة أكثر من مرة هو مؤشر على فشلها قبل حتى انطلاقها، أو كما يحلو للبعض تسميتها "ولدت ميتة"

 

ألإشتراك بالنشرة البريدية

كي تصلك المقالات وجميع المنشورات أولاً بأول قم بإضافة إسمك وبريدك الالكتروني بالحقول أدناه.

اخر المقالات

غزة تنتصر من جديد غزة تنتصر من جديد د. إبراهيم حمّامي 13/11/2018 هذه الجولة من المواجهات كانت الأوضح والأقل لبساً...
أسئلة للعلماء والفقهاء والمشايخ... أسئلة  للعلماء والفقهاء والمشايخ والدعاة د. إبراهيم حمّامي 20/09/2018   السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعد سلسلة ...
السعودية ومحاولات فرض صفقة القرن السعودية ومحاولات فرض صفقة القرن د. إبراهيم حمّامي 18/09/2018 تتزايد المؤشرات والدلائل والإجراءات والوقائع على...
إنصافاً للثورات العربية إنصافاً للثورات العربية د. إبراهيم حمّامي 02/09/2018   يحاول البعض هذه الأيام التشكيك والطعن في دوافع...
صفقة القرن صفقة القرن صفقة القرن... ما حقيقتها؟ ما هي تفاصيلها؟ من يقف معها ومن يروج لها؟ هل هي...
صفقة القرن صفقة القرن سخونة الحديث عن "صفقة القرن" ارتفعت مؤخراً لتتناولها وسائل إعلام وتصريحات سياسية...
الأيقونة الأيقونة د. إبراهيم حمامي 06/08/2018 المشكلة ليس في شكل عهد التميمي كما يحاول البعض أن يقزم...
سألني فأجبت سألني فأجبت د. إبراهيم حمامي 02/07/2018 سألني أحدهم وبوقاحة: الم يحن الوقت لتعترف بخطأ موقفك...