آن أوان تغيير استراتيجية المواجهة

د. إبراهيم حمامي

13/08/2022

  • تعرض قطاع غزة خلال العقدين الماضيين لـ 29 عدواناً إسرائيلياً مختلفة القوة والإجرام، كانت أشرسها مواجهات مع فصائل غزة في 2008/2009، 2012، 2014، 2021 وأخيراً 2022
  • صمدت غزة وتطور أداء الفصائل وتوسعت الضربات التي وجهتها، وغيرت معادلات الاشتباك وفرضت معادلات رعب وردع جديدة، وسجلت انتصارات عسكرية وسياسية أقر بها الاحتلال قبل غيره
  • كان الغزيون الحضن الآمن والداعم والمساند لمقاومة العدوان، تحملوا وصبروا وقدموا الغالي والنفيس دون شكوى أو زعزعة لموقفهم الثابت ضد الاحتلال وإجرامه
  • ومع كل جولة قتالية طالت أو قصرت، زادت معاناة القطاع وأهله في ظل حصار مجحف خانق يُشارك فيه الشقيق قبل العدو في محاولة لتركيع غزة وأهلها
  • ورغم كل الوعود بإعادة الإعمار بعد كل عدوان، لم يتحقق شيء من ذلك إلا النذر اليسير جداً، وهو ما فاقم ويُفاقم المعاناة اليومية لآلاف الأسر التي ما زالت بلا مأوى صالح للسكن أو بدون عائل لها، معتمدة بشكل أساسي على المعونات والمساعدات
  • ومع كل تلك الظروف القاسية لم نسمع أو نشاهد فرداً واحداً من داخل القطاع يلوم المقاومة على سبيل المثال أو يفقد ثقته بالله أو بحقه، لأنه وبكل بساطة مؤمن بأن الاحتلال هو أساس كل مأساة نعانيها، وهو المعتدي حصراً، دون الحاجة لمبرر أو عذر ليُمارس إجرامه
  • لا أتحدث هنا نيابة عن أهلنا في غزة أو نيابة عن أي أحد، لكن كفلسطيني يتابع ويستشعر معاناة الناس، أقول إن هناك طاقة تحمل لأي إنسان أو مجتمع مهما كانت درجة الصلابة، ومع كل مواجهة جديدة نقترب من نقطة اللا تحمل خطوة أخرى
  • وحتى لا يتصيد المتصيدون، هذه ليست دعوة للاستسلام أو رفع الراية، أو تقليل من صمود وثبات أهلنا في غزة، لكن قراءة لواقع يعرفه الجميع حتى وإن أنكروه علناً
  • هذا الواقع يرصده الاحتلال – المتسبب به- ويستغله ويضغط من خلاله لتحويل الأمر وكأنه حالة إنسانية بحتة لا واقع احتلالي، مروجاً لحزم يُسميها إنسانية بين الفينة والأخرى "لتخفيف معاناة الغزيين" ليعود ويستخدمها ورقة عقاب مع أي عمل يقاوم جرائمه
  • ويرصده أيضاً المتربصون من أبناء جلدتنا الذين يستغلون معاناة الناس لأهداف سياسية تخريبية كما حدث مع "حراك بدنا نعيش" فظاهره حق هو رفض المعاناة وباطنه توجيه ورعاية ودعم رسمي من سلطة رام الله لزعزعة استقرار قطاع غزة لصالح الاحتلال، ولمن لا يعرف فهذا الحراك المشبوه كان يستعد للانطلاق من جديد عشية العدوان الأخير على قطاع غزة، وحدد أماكن التجمع والانطلاق للبدء في مشروعه التخريبي الموجه من رام الله، لكن قدر الله أن يبدأ الاحتلال عدواناً جديداً قبل تحركهم بساعات
  • إن عدم التعاطي مع هذا الواقع هو كمن يدفن رأسه في الرمال كما النعام، وإنكار المعلوم والمعاش
  • إن أي مقاومة وعبر التاريخ تعتمد أساساً وحصراً على الحاضنة الشعبية، فإن ضعفت تلك الحاضنة أو تراجع تأييدها، ضعفت المقاومة، هي معادلة طردية مثبتة تاريخياً، وفلسطين وغزة ليست استثناء
  • كانت معركة سيف القدس معركة مفصلية من حيث ربط الكل الفلسطيني ببعضه البعض، وسجل شعبنا تلاحماً غير مسبوق في كل أماكن تواجده، في غزة والضفة والقدس وال 48 والشتات، فكانت إنجازاً وطنياً مشهودا، كان اختيار القضية (القدس والشيخ جراح) والتوقيت فيه عاملاً حاسماً في توحيد الشعب، وكانت غزة على الموعد دون تأخير
  • إلا أنني وبكل صدق لا أرى المواجهة الأخيرة بنفس المنظار، مع التأكيد أن الاحتلال هو المعتدي والمجرم والبادئ دون غيره، والتأكيد على غدر ما يُسمى بالوسيط المصري بحركة الجهاد وقيادتها، لكن التهديدات التي صدرت بالرد على اعتقال الشيخ السعدي من غزة لم تكن موفقة، وزاد من النفخ فيها تصريحات قائد فيلق القدس الإيراني وحسن نصر الله
  • المواجهة فرضت فرضاً على حركة الجهاد، لا جدال في ذلك، والرد أمر غير قابل للنقاش في وجه المعتدي، لكن الاسم الذي اختارته حركة الجهاد الإسلامي لتلك المواجهة "وحدة الساحات" لم يُجسد عملياً على الأرض
  • بل زاد الأمر بعد اتفاق الهدنة أو وقف إطلاق النار إن كان يمكن تسميته بذلك، بالتهديد باستئناف إطلاق الصواريخ من غزة تحديداً إن لم يتم إطلاق سراح الشيخ السعدي أو الأسير العواودة فرج الله كربهما
  • إن حصر الرد الفلسطيني من غزة دون غيرها يحتاج لوقفة جادة وهادئة، فلا يُعقل ان يكون الغزي دون غيره من يدفع ثمن كل جريمة يرتكبها الاحتلال بغض النظر عن مكانها وحجمها وأهميتها
  • نعم وألف نعم نحن شعب واحد نرفض التفريق والتقسيم بين غزة والضفة، أو داخل وخارج، أو 67 و48 أو غيرها من التقسيمات البغيضة، لكن مرة أخرى استراتيجية المواجهة بحاجة لإعادة نظر شاملة
  • مرة أخرى هذا لا يعني تحميل أي طرف فلسطيني مسؤولية جرائم الاحتلال ولا هو انتقاد لطرف دون آخر، لكن تحيلياً وسرداً لواقع معاش لا يخفى على أحد، وتفاصيله كثيرة ومؤلمة أيضاً، ولا مجال للخوض فيها هنا
  • ما جرى في السنوات الأخيرة هو دوامة متواصلة من جولات القتال تتحقق فيها إنجازات سياسية وعسكرية، سرعان ما يتراجع عنها الاحتلال، لندخل في جولة جديدة من ذات الدوامة وذات النتائج، لكن ما لا نستطيع إغفاله أنه مع كل جولة يستشهد الالاف أحياناً، غير عشرات آلاف الجرحى والمعاقين، وتدمير آلاف المنازل وتشريد ساكنيها
  • صحيح أن معايير الهزيمة والنصر لا تقاس أبداً بالأرقام والحسابات، وصحيح أن الطرف المقاوم دائماً يدفع فاتورة أعلى على طريق التحرير، لكن البقاء في ذات الدائرة المفرغة لن يغير من الواقع شيء بل سيزيد من تفاقمه
  • إن أضفنا لذلك تآمر الأشقاء الذين بات تحالفهم مع الاحتلال علنياً يصل حد الشراكة المطلقة، ومواقفهم معادية بوضوح للشعب الفلسطيني وقضيته، مع تحريض متواصل من سوائب يطلقونها في منابرهمـ، تكون المعاناة مضاعفة لعدم تمكن أهالي الغزيين والفلسطينيين عموماً من مساعدتهم تحت طائلة العقوبة والترحيل!
  • هل هي دعوة لوقف المقاومة؟ هل هي دعوة لتحميل المقاومة ذنب ما يجري؟ بالتأكيد لا فالاحتلال وحده من يتحمل ذلك والمقاومة حق طبيعي مشروع بكل الشرائع والقوانين

ما المطلوب؟

  • إعادة قراءة الواقع
  • ضمان بقاء الحاضنة الشعبية والجبهة الداخلية قوية ومحصنة ومنع إضعافها أو استغلال معاناتها
  • تفعيل كل الجبهات في مواجهة الاحتلال وبكل الوسائل المشروعة المتاحة وعدم حصرها بغزة فقط
  • تحقيق "وحدة الساحات" عملياً وميدانياً
  • التعامل الذكي والمدروس مع جرائم الاحتلال وكيفية الرد عليه

والأهم

بناء استراتيجية جديدة تخرج الجميع من الدائرة المغلقة والمستمرة منذ عقود...

كيف وبأي طريقة وما هي الآليات؟ هذه أمور تترك لأصحاب القرار والقابضون على الجمر الذين لا يزاود عليهم أحد، لكنها باتت ضرورة ملحة لا يمكن تأخيرها.

الاستمرار بذات النهج والأسلوب والطريقة لن يعطي إلا ذات النتائج، ودرجة التحمل والصبر قد لا تستمر للأبد، ومن حق الغزيين أن ينالوا استراحة محارب، فهم بشر كباقي البشر...

إن المقاومة الذكية الفاعلة هي التي تستشعر نبض حاضنتها، هي التي تتعامل مع حاجات وآلام الشعب، حتى وإن لم يشتكِ الشعب، وهي التي تقطع الطريق على من يحاول استغلال أي معاناة حتى وإن لم تكن علنية

نافلة القول أنه آن الأوان لتغيير استراتيجية المواجهة، وبأسرع وقت

رحم الله شهداءنا، وداوى جرحانا ومرضانا، وفرج عن أسرانا، ونصرنا على أعدائنا

ألإشتراك بالنشرة البريدية

كي تصلك المقالات وجميع المنشورات أولاً بأول قم بإضافة إسمك وبريدك الالكتروني بالحقول أدناه.

اخر المقالات

حماس إذ تنكفيء على نفسها  حماس إذ تنكفيء على نفسها  د. إبراهيم حمّامي  16/09/2022  تحت عنوان "حماس وخطيئة العلاقة مع بشار" كتبت بتاريخ...
الملكة إليزابيث الثانية الملكة إليزابيث الثانية د. إبراهيم حمّامي 08/09/2022 رحلت اليوم الملكة إليزابيث الثانية ملكة بريطانيا عن...
آن أوان تغيير استراتيجية المواجه آن أوان تغيير استراتيجية المواجهة د. إبراهيم حمامي 13/08/2022 تعرض قطاع غزة خلال العقدين الماضيين لـ 29 عدواناً إسر...
حماس وخطيئة العلاقة مع بشار حماس وخطيئة العلاقة مع بشار د. إبراهيم حمّامي 24/06/2022 تكاثرت التصريحات والتسريبات والمصادر "القيادية التي...
العميل السلبي العميل السلبي د. إبراهيم حمامي ٨ حزيران/يونيو ٢٠٢٢ العملاء ليسوا حصراً على شعب أو أمة، بل وجدوا...
تصحيح وتصويب الخطاب الإعلامي تصحيح وتصويب الخطاب الإعلامي د. إبراهيم حمّامي 07/05/2022 مع اشتداد الهجمة الإجرامية الأخيرة من قبل جيش الاحتلال...
الفشل غير المسبوق لعملية تل أبيب الفشل غير المسبوق لعملية تل أبيب د. إبراهيم حمامي 08/04/2022 سجلت عملية إطلاق النار في قلب تل أبيب مساء الخميس فشلاً...
أوكرانيا الغرب والعرب أوكرانيا الغرب والعرب د. إبراهيم حمّامي 08/03/2022 منذ اللحظات الأولى للعدوان الروسي على أوكرانيا بدأ...